فصل: تفسير الآيات رقم (1- 42)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البحر المحيط في تفسير القرآن ***


سورة النبأ

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 20‏]‏

‏{‏عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ ‏(‏1‏)‏ عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ ‏(‏2‏)‏ الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ ‏(‏3‏)‏ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ ‏(‏4‏)‏ ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ ‏(‏5‏)‏ أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا ‏(‏6‏)‏ وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا ‏(‏7‏)‏ وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا ‏(‏8‏)‏ وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا ‏(‏9‏)‏ وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا ‏(‏10‏)‏ وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا ‏(‏11‏)‏ وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا ‏(‏12‏)‏ وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا ‏(‏13‏)‏ وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا ‏(‏14‏)‏ لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا ‏(‏15‏)‏ وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا ‏(‏16‏)‏ إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا ‏(‏17‏)‏ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا ‏(‏18‏)‏ وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا ‏(‏19‏)‏ وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا ‏(‏20‏)‏‏}‏

قال‏:‏ ‏{‏عم يتساءلون‏}‏‏.‏ وقرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏عم‏}‏؛ وعبد الله وأبيّ وعكرمة وعيسى‏:‏ عما بالألف، وهو أصل عم، والأكثر حذف الألف من ما الاستفهامية إذا دخل عليها حرف الجر وأضيف إليها‏.‏ ومن إثبات الألف قوله‏:‏

على ما قام يشتمني لئيم *** كخنزير تمرغ في رماد

وقرأ الضحاك وابن كثير في رواية‏:‏ عمه بهاء السكت، أجرى الوصل مجرى الوقف، لأن الأكثر في الوقف على ما الاستفهامية هو بإلحاق هاء السكت، إلا إذا أضيفت إليها فلا بد من الهاء في الوقف، نحو‏:‏ بحى مه‏.‏ والاستفهام عن هذا فيه تفخيم وتهويل وتقرير وتعجيب، كما تقول‏:‏ أي رجل زيد‏؟‏ وزيد ما زيد، كأنه لما كان عديم النظير أو قليله خفيّ عليك جنسه فأخذت تستفهم عنه‏.‏ ثم جرد العبارة عن تفخيم الشيء، فجاء في القرآن، والضمير في ‏{‏يتساءلون‏}‏ لأهل مكة‏.‏ ثم أخبر تعالى أنهم ‏{‏يتساءلون عن النبإ العظيم‏}‏، وهو أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما جاء به من القرآن‏.‏ وقيل‏:‏ الضمير لجميع العالم، فيكون الاختلاف تصديق المؤمن وتكذيب الكافر‏.‏ وقيل‏:‏ المتساءل فيه البعث، والاختلاف فيه عم متعلق بيتساءلون‏.‏ ومن قرأ عمه بالهاء في الوصل فقد ذكرنا أنه يكون أجرى الوصل مجرى الوقف، وعن النبأ متعلق بمحذوف، أي يتساءلون عن النبأ‏.‏ وأجاز الزمخشري أن يكون وقف على عمه، ثم ابتدأ بيتسألون عن النبأ العظيم على أن يضمر لعمه يتساءلون، وحذفت لدلالة ما بعدها عليه، كشيء مبهم ثم يفسر‏.‏ وقال ابن عطية‏:‏ قال أكثر النحاة قوله ‏{‏عن النبإ العظيم‏}‏ متعلق بيتساءلون، الظاهر كأنه قال‏:‏ لم يتساءلون عن النبأ العظيم‏؟‏ وقال الزجاج‏:‏ الكلام تام في قوله ‏{‏عم يتساءلون‏}‏، ثم كان مقتضى القول أن يجيب مجيب فيقول‏:‏ يتساءلون عن النبأ، فاقتضى إيجاز القرآن وبلاغته أن يبادر المحتج بالجواب الذي يقتضيه الحال، والمجاورة اقتضاء بالحجة وإسراعاً إلى موضع قطعهم‏.‏ وقرأ عبد الله وابن جبير‏:‏ يسألون بغير تاء وشد السين، وأصله يتساءلون بتاء الخطاب، فأدغم التاء الثانية في السين‏.‏ ‏{‏كلا‏}‏‏:‏ ردع للمتسائلين‏.‏ وقرأ الجمهور‏:‏ بياء الغيبة فيهما‏.‏ وعن الضحاك‏:‏ الأول بالتاء على الخطاب، والثاني بالياء على الغيبة‏.‏ وهذا التكرار توكيد في الوعيد وحذف ما يتعلق به العلم على سبيل التهويل، أي سيعلمون ما يحل بهم‏.‏

ثم قررهم تعالى على النظر في آياته الباهرة وغرائب مخلوقاته التي ابتدعها من العدم الصرف، وأن النظر في ذلك يفضي إلى الإيمان بما جاءت به الرسل من البعث والجزاء، فقال‏:‏ ‏{‏ألم نجعل الأرض مهاداً‏}‏، فبدأ بما هم دائماً يباشرونه، والمهاد‏:‏ الفراش الموطأ‏.‏ وقرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏مهاداً‏}‏؛ ومجاهد وعيسى وبعض الكوفيين‏:‏ مهداً، بفتح الميم وسكون الهاء، ولم ينسب ابن عطية عيسى في هذه القراءة‏.‏

وقال ابن خالويه‏:‏ مهداً على التوحيد، مجاهداً وعيسى الهمداني وهو الحوفي، فاحتمل أن يكون قول ابن عطية وبعض الكوفيين كناية عن عيسى الهمداني‏.‏ وإذا أطلقوا عيسى، أو قالوا عيسى البصرة، فهو عيسى بن عمر الثقفي‏.‏ وتقدم الكلام في المهاد في البقرة في أول حزب، ‏{‏واذكروا الله‏}‏ ‏{‏والجبال أوتاداً‏}‏‏:‏ أي ثبتنا الأرض بالجبال، كما ثبت البيت بالأوتاد‏.‏ قال الأفوه‏:‏

والبيت لا ينبني إلا له عمد *** ولا عماد إذا لم ترس أوتاد

‏{‏أزواجاً‏}‏‏:‏ أي أنواعاً من اللون والصورة واللسان‏.‏ وقال الزجاج وغيره‏:‏ مزدوجين، ذكراً وأنثى‏.‏ ‏{‏سباتاً‏}‏‏:‏ سكوناً وراحة‏.‏ سبت الرجل‏:‏ استراح وترك الشغل، والسبات علة معروفة يفرط على الإنسان السكوت حتى يصير قاتلاً، والنوم شبيه به إلا في الضرر‏.‏ وقال قتادة‏:‏ النائم مسبوت لا يعقل، كأنه ميت‏.‏ ‏{‏لباساً‏}‏‏:‏ أي يستترون به عن العيون فيما لا يحبون أن يظهر عليه‏.‏ ‏{‏وجعلنا النهار‏}‏‏:‏ قابل النوم بالنهار، إذ فيه اليقظة‏.‏ ‏{‏معاشاً‏}‏‏:‏ وقت عيش، وهو الحياة تتصرفون فيه في حوائجكم‏.‏ ‏{‏سبعاً‏}‏‏:‏ أي سموات، ‏{‏شداداً‏}‏‏:‏ محكمة الخلق قوية لا تتأثر بمرور الأعصار إلا إذا أراد الله عز وجل‏.‏ وقال الشاعر‏:‏

فلما جئته أعلى محلي *** وأجلسني على السبع الشداد

‏{‏سراجاً‏}‏‏:‏ هو الشمس، ‏{‏وهاجاً‏}‏‏:‏ حاراً مضطرم الاتقاد‏.‏ وقال عبد الله بن عمرو‏.‏ الشمس في السماء الرابعة، إلينا ظهرها، ولهيبها يضطرم علواً‏.‏ ‏{‏من المعصرات‏}‏، قال أبي والحسن وابن جبير وزيد بن أسلم وقتادة ومقاتل‏:‏ هي السموات‏.‏ وقال ابن عباس وأبو العالية والربيع والضحاك‏:‏ السحاب القاطرة، مأخوذ من العصر، لأن السحاب ينعصر فيخرج منه الماء‏.‏ وقيل‏:‏ السحاب التي فيها الماء ولم تمطر‏.‏ وقال ابن كيسان‏:‏ سميت بذلك من حيث تغيث، فهي من العصرة، ومنه قوله‏:‏ ‏{‏وفيه يعصرون‏}‏‏.‏ والعاصر‏:‏ المغيث، فهو ثلاثي؛ وجاء هنا من أعصر‏:‏ أي دخلت في حين العصر، فحان لها أن تعصر، وأفعل للدخول في الشيء‏.‏ وقال ابن عباس أيضاً ومجاهد وقتادة‏:‏ الرياح لأنها تعصر السحاب، جعل الإنزال منها لما كانت سبباً فيه‏.‏ وقرأ ابن الزبير وابن عباس والفضل بن عباس أخوه وعبد الله بن يزيد وعكرمة وقتادة‏:‏ بالمعصرات، بالياء بدل من‏.‏ قال ابن عطية‏:‏ فهذا يقوي أنه أراد الرياح‏.‏ وقال الزمخشري‏:‏ فيه وجهان‏:‏ أن يراد بالرياح التي حان لها أن تعصر السحاب، وأن يراد السحاب، لأنه إذا كان الأنزال منها فهو بها، كما تقول‏:‏ أعطى من يده درهماً، وأعطى بيده درهماً‏.‏ ‏{‏ثجاجاً‏}‏‏:‏ منصباً بكثرة، ومنه أفضل الحج العج والثج‏:‏ أي رفع الصوت بالتلبية وصب دماء الهدى‏.‏ وقرأ الأعرج‏:‏ ثجاحاً بالحاء‏:‏ آخراً، ومساجح الماء‏:‏ مصابه، والماء ينثجح في الوادي‏.‏ ‏{‏حباً ونباتاً‏}‏‏:‏ بدأ بالحب لأنه الذي يتقوت به، كالحنطة والشعير، وثنى بالنبات فشمل كل ما ينبت من شجر وحشيش ودخل فيه الحب‏.‏

‏{‏ألفافاً‏}‏‏:‏ ملتفة، قال الزمخشري‏:‏ ولا واحد له، كالأوزاع والأخياف‏.‏ وقيل‏:‏ الواحد لف‏:‏ قال صاحب الإقليد‏:‏ أنشدني الحسن بن علي الطوسي‏:‏

جنة لف وعيش مغدق *** وندامى كلهم بيض زهر

ولو قيل‏:‏ هو جمع ملتفة بتقدير حذف الزوائد لكان قولاً وجيهاً‏.‏ انتهى‏.‏ ولا حاجة إلى هذا القول ولا إلى وجاهته، فقد ذكر في المفردات أن مفرده لف بكسر اللام، وأنه قول جمهور أهل اللغة‏.‏ ‏{‏إن يوم الفصل‏}‏‏:‏ هو يوم القيامة يفصل فيه بين الحق والباطل، ‏{‏كان ميقاتاً‏}‏‏:‏ أي في تقدير الله وحكمه تؤقت به الدنيا وتنتهي عنده أو حداً للخلائق ينتهون إليه‏.‏ ‏{‏يوم ينفخ في الصور‏}‏‏:‏ بدل من يوم الفصل‏.‏ قال الزمخشري‏:‏ أو عطف بيان، وتقدم الكلام في الصور‏.‏ وقرأ أبو عياض‏:‏ في الصور بفتح الواو جمع صورة، أي يرد الله الأرواح إلى الأبدان؛ والجمهور‏:‏ بسكون الواو‏.‏ و‏{‏فتأتون‏}‏ من القبور إلى الموقف أمماً، كل أمة بإمامها‏.‏ وقيل‏:‏ جماعات مختلفة‏.‏ وذكر الزمخشري حديثاً في كيفيات قبيحة لعشرة أصناف يخلقون عليها، وسبب خلقه من خلق على تلك الكيفية الله أعلم بصحته‏.‏ وقرأ الكوفيون‏:‏ ‏{‏وفتحت‏}‏‏:‏ خف؛ والجمهور‏:‏ بالتشديد، ‏{‏فكانت أبواباً‏}‏ تنشق حتى يكون فيها فتوح كالأبواب في الجدران‏.‏ وقيل‏:‏ ينقطع قطعاً صغاراً حتى تكون كالألواح، الأبواب المعهودة‏.‏ وقال الزمخشري‏:‏ ‏{‏فتحت *** فكانت أبواباً‏}‏‏:‏ أي كثرت أبوابها لنزول الملائكة، كأنها ليست إلا أبواباً مفتحة، كقوله‏:‏ ‏{‏وفجرنا الأرض عيوناً‏}‏ كأن كلها عيون تنفجر‏.‏ وقيل‏:‏ الأبواب‏:‏ الطرق والمسالك، أي تكشط فينفتح مكانها وتصير طرقاً لا يسدها شيء‏.‏ ‏{‏فكانت سراباً‏}‏‏:‏ أي تصير شيئاً كلا شيء لتفرق أجزائها وانبثاث جواهرها‏.‏ انتهى‏.‏ وقال ابن عطية‏:‏ عبارة عن تلاشيها وفنائها بعد كونها هباء منبثاً، ولم يرد أن الجبال تشبه الماء على بعد من الناظر إليها‏.‏ وقال الواحدي‏:‏ على حذف مضاف، أي ذات أبواب‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏21- 40‏]‏

‏{‏إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا ‏(‏21‏)‏ لِلطَّاغِينَ مَآَبًا ‏(‏22‏)‏ لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا ‏(‏23‏)‏ لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا ‏(‏24‏)‏ إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا ‏(‏25‏)‏ جَزَاءً وِفَاقًا ‏(‏26‏)‏ إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا ‏(‏27‏)‏ وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا كِذَّابًا ‏(‏28‏)‏ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا ‏(‏29‏)‏ فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا ‏(‏30‏)‏ إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا ‏(‏31‏)‏ حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا ‏(‏32‏)‏ وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا ‏(‏33‏)‏ وَكَأْسًا دِهَاقًا ‏(‏34‏)‏ لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا ‏(‏35‏)‏ جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا ‏(‏36‏)‏ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا ‏(‏37‏)‏ يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا ‏(‏38‏)‏ ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآَبًا ‏(‏39‏)‏ إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا ‏(‏40‏)‏‏}‏

‏{‏مرصاداً‏}‏‏:‏ مفعال من الرصد، ترصد من حقت عليه كلمة العذاب‏.‏ وقال مقاتل‏:‏ مجلساً للأعداء وممراً للأولياء، ومفعال للمذكر والمؤنث بغير تاء وفيه معنى النسب، أي ذات رصد، وكل ما جاء من الأخبار والصفات على معنى النسب فيه التكثير واللزوم‏.‏ وقال الأزهري‏:‏ المرصاد‏:‏ المكان الذي يرصد فيه العدو‏.‏ وقال الحسن‏:‏ إلا أن على النار المرصاد‏.‏ فمن جاء بجواز جاز، ومن لم يجئ بجواز احتبس‏.‏ وقرأ أبو عمر والمنقري وابن يعمر‏:‏ أن جهنم، يفتح الهمزة؛ والجمهور‏:‏ بكسرها ‏{‏مآباً‏}‏‏:‏ مرجعاً‏.‏ وقرأ عبد الله وعلقمة وزيد بن علي وابن وثاب وعمرو بن ميمون وعمرو بن شرحبيل وطلحة والأعمش وحمزة وقتيبة وسورة وروح‏:‏ لبثين، بغير ألف بعد اللام؛ والجمهور‏:‏ بألف بعدها، وفاعل يدل على من وجد منه الفعل، وفعل على من شأنه ذلك، كحاذر وحذر‏.‏ ‏{‏أحقاباً‏}‏‏:‏ تقدم الكلام عليه في الكهف عند‏:‏ ‏{‏أو أمضي حقباً‏}‏ والمعنى هنا‏:‏ حقباً بعد حقب، كلما مضى تبعه آخر إلى غير نهاية، ولا يكاد يستعمل الحقب إلا حيث يراد تتابع الأزمنة، كقول أبي تمام‏:‏

لقد أخذت من دار ماوية الحقب *** أنحل المغاني لليلى أم هي نهب

ويجوز أن يتعلق للطاغين بمرصاداً، ويجوز أن يتعلق بمآبا‏.‏ ولبثين حال من الطاغين، وأحقاباً نصب على الظرف‏.‏ وقال الزمخشري‏:‏ وفيه وجه آخر، وهو أن يكون من حقب عامنا إذا قل مطره وخيره، وحقب إذا أخطأ الرزق فهو حقب، وجمعة أحقاب، فينتصب حالاً عنهم، يعني لبثين فيها حقبين جحدين‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏لا يذوقون فيها برداً ولا شراباً‏}‏ تفسير له، والاستثناء منقطع، يعني‏:‏ لا يذوقون فيها برداً ورَوحاً ينفس عنهم حر النار، ولا شراب يسكن من عطشهم، ولكن يذوقون فيها ‏{‏حميماً وغساقاً‏}‏‏.‏ انتهى‏.‏ وكان قد قدم قبل هذا الوجه ما نصه‏:‏ ويجوز أن يراد لابثين فيها أحقاباً غير ذائقين برداً ولا شراباً إلا حميماً وغساقاً، ثم يبدلون بعد الأحقاب غير الحميم، والغساق من جنس آخر من العذاب‏.‏ انتهى‏.‏ وهذا الذي قاله هو قول للمتقدمين، حكاه ابن عطية‏.‏ قال‏:‏ وقال آخرون إنما المعنى لابثين فيها أحقاباً غير ذائقين برداً ولا شراباً، فهذه الحال يلبثون أحقاباً، ثم يبقى العذاب سرمداً وهم يشربون أشربة جهنم‏.‏ والذي يظهر أن قوله‏:‏ ‏{‏لا يذوقون‏}‏ كلام مستأنف وليس في موضع الحال، و‏{‏إلا حميماً‏}‏ استثناء متصل من قوله‏:‏ ‏{‏ولا شراباً‏}‏، وإن ‏{‏أحقاباً‏}‏ منصوب على الظرف حملاً على المشهور من لغة العرب، لا منصوب على الحال على تلك اللغة التي ليست مشهورة‏.‏ وقول من قال‏:‏ إن الموصوفين باللبث أحقاباً هم عصاة المؤمنين، أواخر الآي يدفعه؛ وقول مقاتل‏:‏ إن ذلك منسوخ بقوله‏:‏ ‏{‏فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذاباً‏}‏، فاسد‏.‏

والظاهر، وهو قول الجمهور، أن البرد هو مس الهواء القرّ، أي لا يمسهم منه ما يستلذ ويكسر شدة الحر‏.‏ وقال أبو عبيدة والكسائي والفضل بن خالد ومعاذ النحوي‏:‏ البرد هنا النوم، والعرب تسميه بذلك لأنه يبرد سورة العطش، ومن كلامهم‏:‏ منع البرد البرد، وقال الشاعر‏:‏

فلو شئت حرمت النساء سواكم *** وإن شئت لم أطعم نقاخاً ولا بردا

النقاخ‏:‏ الماء، والبرد‏:‏ النوم‏.‏ وفي كتاب اللغات في القرآن أن البرد هو النوم بلغة هذيل، والذوق على هذين القولين مجاز‏.‏ وقال ابن عباس‏:‏ البرد‏:‏ الشراب البارد المستلذ، ومنه قول حسان بن ثابت‏:‏

يسقون من ورد البريض عليهم *** برداً يصفق بالرحيق السلسل

ومنه قول الآخر‏:‏

أماني من سعدى حسان كأنما *** سقتك بها سعدى على ظمأ بردا

والذوق على هذا حقيقة، والنحويون ينشدون على هذا بيت حسان‏.‏ بردى، بفتح الراء والدال بعدها ألف التأنيث‏:‏ وهو نهر في دمشق‏.‏ وتقدم شرح الحميم والغساق، وخلف القرّاء في شدة الشين وخفتها‏.‏ ‏{‏وفاقاً‏}‏‏:‏ أي لأعمالهم وكفرهم، وصف الجزاء بالمصدر لوافق، أو على حذف مضاف، أي ذا وفاق‏.‏ وقال الفراء‏:‏ هو جمع وفق‏.‏ وقرأ الجمهور‏:‏ بخف الفاء؛ وأبو حيوة وأبو بحرية وابن أبي عبلة‏:‏ بشدها من وفقه كذا‏.‏ ‏{‏لا يرجون‏}‏‏:‏ لا يخافون أو لا يؤمنون، والرجاء والأمل مفترقان، والمعنى هنا‏:‏ لا يصدقون بالحساب، فهم لا يؤمنون ولا يخافون‏.‏ وقرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏كذاباً‏}‏ بشد الذال مصدر كذب، وهي لغة لبعض العرب يمانية‏.‏ يقولون في مصدر فعل فعالاً، وغيرهم يجعل مصدره على تفعيل، نحو تكذيب‏.‏ ومن تلك اللغة قول الشاعر‏:‏

لقد طال ما ثبطتني عن صحابتي *** وعن حاجة قضاؤها من شفائيا

ومن كلام أحدهم وهو يستفتي الحلق أحب إليك أم القصار، يريد التقصير، يعني في الحج‏.‏ وقال الزمخشري‏:‏ وفعال في باب فعل كله فاش في كلام فصحاء من العرب لا يقولون غيره، وسمعني بعضهم أفسر آية فقال‏:‏ لقد فسرتها فساراً ما سمع بمثله‏.‏ وقرأ علي وعوف الأعرابي وأبو رجاء والأعمش وعيسى بخلاف عنه بخف الذال‏.‏ قال صاحب اللوامح علي وعيسى‏:‏ البصرة، وعوف الأعرابي‏:‏ كذاباً، كلاهما بالتخفيف، وذلك لغة اليمن بأن يجعلوا مصدر كذب مخففاً، كذاباً بالتخفيف مثل كتب كتاباً، فصار المصدر هنا من معنى الفعل دون لفظه، مثل أعطيته عطاء‏.‏ انتهى‏.‏ وقال الأعشى‏:‏

فصدقتها وكذبتها *** والمرء ينفعه كذابه

وقال الزمخشري‏:‏ هو مثل قوله‏:‏ ‏{‏أنبتكم من الأرض نباتاً‏}‏ يعني‏:‏ وكذبوا بآياتنا فكذبوا كذاباً، أو تنصبه بكذبوا لا يتضمن معنى كذبوا، لأن كل مكذب بالحق كاذب؛ وإن جعلته بمعنى المكاذبة فمعناه‏:‏ وكذبوا بآياتنا فكاذبوا مكاذبة، أو كذبوا بها مكاذبين لأنهم إذا كانوا عند المسلمين كاذبين وكان المسلمون عندهم كاذبين فبينهم مكاذبة، أو لأنهم يتكلمون بما هو إفراط في الكذب، فعل من يغالب في أمر فيبلغ فيه أقصى جهده‏.‏

انتهى‏.‏ والأظهر الإعراب الأول وما سواه تكلف، وفي كتاب ابن عطية وكتاب اللوامح‏.‏ وقرأ عبد الله بن عمر بن عبد العزيز‏:‏ وفي كتاب ابن خالويه عمر بن عبد العزيز والماجشون، ثم اتفقوا كذاباً بضم الكاف وشد الذال، فخرج على أنه جمع كاذب وانتصب على الحال المؤكدة، وعلى أنه مفرد صفة لمصدر، أي تكذيباً كذاباً مفرطاً في التكذيب‏.‏ وقرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏وكل شيء‏}‏ بالنصب‏:‏ وأبو السمال‏:‏ بالرفع، وانتصب ‏{‏كتاباً‏}‏ على أنه مصدر من معنى ‏{‏أحصيناه‏}‏ أي إحصاء، أو يكون ‏{‏أحصيناه‏}‏ في معنى كتبناه‏.‏ والتجوز إما في المصدر وإما في الفعل وذلك لالتقائهما في معنى الضبط، أو على أنه مصدر في موضع الحال، أو مكتوباً في اللوح وفي مصحف الحفظة‏.‏ ‏{‏وكل شيء‏}‏ عام مخصوص، أي كل شيء مما يقع عليه الثواب والعقاب، وهي جملة اعتراض معترضة، وفذوقوا مسبب عن كفرهم بالحساب، فتكذيبهم بالآيات‏.‏ وقال عبد الله بن عمر‏:‏ وما نزلت في أهل النار آية أشد من هذه، ورواه أبو بردة عن النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏

ولما ذكر شيئاً من حال أهل النار، ذكر ما لأهل الجنة فقال‏:‏ ‏{‏إن للمتقين مفازاً‏}‏‏:‏ أي موضع فوز وظفر، حيث زحزحوا عن النار وأدخلوا الجنة‏.‏ و‏{‏حدائق‏}‏ بدل من ‏{‏مفازاً‏}‏ وفوزاً، فيكون أبدل الجرم من المعنى على حذف، أي فوز حدائق، أي بها‏.‏ ‏{‏دهاقاً‏}‏، قال الجمهور‏:‏ مترعة‏.‏ وقال مجاهد وابن جبير‏:‏ متتابعة‏.‏ وقرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏ولا كذاباً‏}‏ بالتشديد، أي لا يكذب بعضهم بعضاً‏.‏ وقرأ الكسائي بالتخفيف، كاللفظ الأول في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وكذبوا بآياتنا كذاباً‏}‏، مصدر كذب ومصدر كاذب‏.‏ قال الزمخشري‏:‏ ‏{‏جزاء‏}‏‏:‏ مصدر مؤكد منصوب بمعنى قوله‏:‏ ‏{‏إن للمتقين مفازاً‏}‏، كأنه قال‏:‏ جازى المتقين بمفاز وعطاء نصب بجزاء نصب المفعول به، أي جزاءهم عطاء‏.‏ انتهى‏.‏ وهذا لا يجوز لأنه جعله مصدراً مؤكداً لمضمون الجملة التي هي ‏{‏إن للمتقين مفازاً‏}‏، والمصدر المؤكد لا يعمل، لأنه ليس ينحل بحرف مصدري والفعل، ولا نعلم في ذلك خلافاً‏.‏ وقرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏حساباً‏}‏، وهو صفة لعطاء، أي كافياً من قولهم‏:‏ أحسبني الشيء‏:‏ أي كفاني‏.‏ وقال مجاهد‏:‏ معنى حساباً هنا بتقسيط على الأعمال، أو دخول الجنة برحمة الله والدرجات فيها على قدر الأعمال، فالحساب هنا بموازنة الأعمال‏.‏ وقرأ ابن قطيب‏:‏ حساباً، بفتح الحاء وشد السين‏.‏ قال ابن جني‏:‏ بني فعالاً من أفعل، كدراك من أدرك‏.‏ انتهى، فمعناه محسباً، أي كافياً‏.‏ وقرأ شريح بن يزيد الحمصي وأبو البرهشيم‏:‏ بكسر الحاء وشد السين، وهو مصدر مثل كذاب أقيم مقام الصفة، أي إعطاء محسباً، أي كافياً‏.‏ وقرأ ابن عباس وسراح‏:‏ حسناً بالنون من الحسن، وحكى عنه المهدوي حسباً بفتح الحاء وسكون السين والباء، نحو قولك‏:‏ حسبك كذا، أي كافيك‏.‏

وقرأ عبد الله وابن أبي إسحاق والأعمش وابن محيصن وابن عامر وعاصم‏:‏ رب والرحمن بالجر؛ والأعرج وأبو جعفر وشيبة وأبو عمرو والحرميان برفعهما؛ والأخوان‏:‏ رب بالجر، والرحمن بالرفع، وهي قراءة الحسن وابن وثاب والأعمش وابن محيصن بخلاف عنهما في الجر على البدل من ربك، والرحمن صفة أو بدل من رب أو عطف بيان، وهل يكون بدلاً من ربك فيه نظر، لأن البدل الظاهر أنه لا يتكرر فيكون كالصفات، والرفع على إضمار هو رب، أو على الابتداء، وخبره ‏{‏لا يملكون‏}‏، والضمير في ‏{‏لا يملكون‏}‏ عائد على المشركين، قاله عطاء عن ابن عباس، أي لا يخاطب المشركون الله‏.‏ أما المؤمنون فيشفعون ويقبل الله ذلك منهم‏.‏ وقيل‏:‏ عائد على المؤمنين، أي لا يملكون أن يخاطبوه في أمر من الأمور لعلمهم أن ما يفعله عدل منه‏.‏ وقيل‏:‏ عائد على أهل السموات والأرض‏.‏ والضمير في منه عائد عليه تعالى، والمعنى أنهم لا يملكون من الله أن يخاطبوه في شيء من الثواب‏.‏ والعقاب خطاب واحد يتصرفون فيه تصرف الملاك، فيزيدون فيه أو ينقصون منه‏.‏ والعامل في ‏{‏يوم‏}‏ إما ‏{‏لا يملكون‏}‏‏.‏ وإما ‏{‏لا يتكلمون‏}‏‏.‏ وقد تقدم الخلاف في ‏{‏الروح‏}‏، أهو جبريل أم ملك أكبر الملائكة خلقة‏؟‏ أو خلق على صورة بني آدم، أو خلق حفظة على الملائكة، أو أرواح بني آدم، أو القرآن وقيامه، مجاز يعني به ظهور آثاره الكائنة عن تصديقه أو تكذيبه‏.‏ والظاهر عود الضمير في ‏{‏لا يتكلمون‏}‏ على ‏{‏الروح والملائكة‏}‏‏.‏ وقال ابن عباس‏:‏ عائد على الناس، فلا يتكلم أحد إلا بإذن منه تعالى‏.‏ ونطق بالصواب‏.‏ وقال عكرمة‏:‏ الصواب‏:‏ لا إله إلا الله، أي قالها في الدنيا‏.‏ وقال الزمخشري‏:‏ هما شريطتان‏:‏ أن يكون المتكلم منهم مأذوناً لهم في الكلام، وأن يتكلم بالصواب فلا يشفع لغير مرتضى لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولا يشفعون إلا لمن ارتضى‏}‏ انتهى‏.‏

‏{‏ذلك اليوم الحق‏}‏‏:‏ أي كيانه ووجوده، ‏{‏فمن شاء‏}‏‏:‏ وعيد وتهديد، والخطاب في ‏{‏أنذرناكم‏}‏ لمن حضر النبي صلى الله عليه وسلم، واندرج فيه من يأتي بعدهم، ‏{‏عذاباً‏}‏‏:‏ هو عذاب الآخرة لتحقق وقوعه، وكل آت قريب‏.‏ ‏{‏يوم ينظر المرء‏}‏‏:‏ عام في المؤمن والكافر‏.‏ ‏{‏ما قدمت يداه‏}‏ من خير أو شر لقيام الحجة له وعليه‏.‏ وقال الزمخشري، وقاله قبله عطاء‏:‏ المرء هو الكافر لقوله‏:‏ ‏{‏إنا أنذرناكم عذاباً قريباً‏}‏، والكافر ظاهر وضع موضع الضمير لزيادة الذم‏.‏ ومعنى ‏{‏ما قدمت يداه‏}‏ من الشر لقوله‏:‏ ‏{‏وذوقوا عذاب الحريق ذلك بما قدمت أيديكم‏}‏ وقال ابن عباس وقتادة والحسن‏:‏ المرء هنا المؤمن، كأنه نظر إلى مقابله في قوله‏:‏ ‏{‏ويقول الكافر‏}‏‏.‏ وقرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏المرء‏}‏ بفتح الميم؛ وابن أبي إسحاق بضمها؛ وضعفها أبو حاتم، ولا ينبغي أن تضعف لأنها لغة يتبعون حركة الميم لحركة الهمزة فيقولون‏:‏ مرؤ ومرأ ومرء على حسب الإعراب، وما منصوب بينظر ومعناه‏:‏ ينتظر ما قدّمت يداه، فما موصولة‏.‏

ويجوز أن يكون ينظر من النظر، وعلق عن الجملة فهي في موضع نصب على تقدير إسقاط الخافض، وما استفهامية منصوبة تقدّمت، وتمنيه ذلك، أي تراباً في الدنيا، ولم يخلق أو في ذلك اليوم‏.‏ وقال أبو هريرة وعبد الله بن عمر‏:‏ إن الله تعالى يحضر البهائم يوم القيامة فيقتص من بعضها لبعض، ثم يقول لها بعد ذلك‏:‏ كوني تراباً، فتعود جميعها تراباً، فإذا رأى الكافر ذلك تمنى مثله‏.‏ وقيل‏:‏ الكافر هنا إبليس، إذا رأى ما حصل للمؤمنين من الثواب قال‏:‏ ‏{‏يا ليتني كنت تراباً‏}‏ كآدم الذي خلق من تراب واحتقره هو أوّلاً‏.‏ وقيل‏:‏ ‏{‏تراباً‏}‏‏:‏ أي متواضعاً لطاعة الله تعالى، لا جباراً ولا متكبراً‏.‏

سورة النازعات

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 26‏]‏

‏{‏وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا ‏(‏1‏)‏ وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا ‏(‏2‏)‏ وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا ‏(‏3‏)‏ فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا ‏(‏4‏)‏ فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا ‏(‏5‏)‏ يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ ‏(‏6‏)‏ تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ ‏(‏7‏)‏ قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ ‏(‏8‏)‏ أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ ‏(‏9‏)‏ يَقُولُونَ أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ ‏(‏10‏)‏ أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً ‏(‏11‏)‏ قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ ‏(‏12‏)‏ فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ ‏(‏13‏)‏ فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ ‏(‏14‏)‏ هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى ‏(‏15‏)‏ إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى ‏(‏16‏)‏ اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى ‏(‏17‏)‏ فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى ‏(‏18‏)‏ وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى ‏(‏19‏)‏ فَأَرَاهُ الْآَيَةَ الْكُبْرَى ‏(‏20‏)‏ فَكَذَّبَ وَعَصَى ‏(‏21‏)‏ ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى ‏(‏22‏)‏ فَحَشَرَ فَنَادَى ‏(‏23‏)‏ فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى ‏(‏24‏)‏ فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآَخِرَةِ وَالْأُولَى ‏(‏25‏)‏ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى ‏(‏26‏)‏‏}‏

قال عبد الله وابن عباس؛ ‏{‏النازعات‏}‏‏:‏ الملائكة تنزع نفوس بني آدم، و‏{‏غرقاً‏}‏‏:‏ إغراقاً، وهي المبالغة في الفعل، أو غرق في جهنم، يعني نفوس الكفار، قاله عليّ وابن عباس‏.‏ وقال الحسن وقتادة وأبو عبيدة وابن كيسان والأخفش‏:‏ هي النجوم تنزع من أفق إلى أفق‏.‏ وقال السدّي وجماعة‏:‏ تنزع بالموت إلى ربها، وغرقاً‏:‏ أي إغراقاً في الصدر‏.‏ وقال السدي أيضاً‏:‏ النفوس تحن إلى أوطانها وتنزع إلى مذاهبها، ولها نزع عند الموت‏.‏ وقال عطاء وعكرمة‏:‏ القسي أنفسها تنزع بالسهام‏.‏ وقال عطاء أيضاً‏:‏ الجماعات النازعات بالقسي وغيرها إغراقاً‏.‏ وقال مجاهد‏:‏ المنايا تنزع النفوس‏.‏ وقيل‏:‏ النازعات‏:‏ الوحش تنزع إلى الكلأ، حكاه يحيى بن سلام‏.‏ وقيل‏:‏ جعل الغزاة التي تنزع في أعنتها نزعاً تغرق فيه الأعنة لطول أعناقها لأنها عراب، والتي تخرج من دار الإسلام إلى دار الحرب، قاله في الكشاف‏.‏

‏{‏والناشطات‏}‏، قال ابن عباس ومجاهد‏:‏ الملائكة تنشط النفوس عند الموت، أي تخلها وتنشط بأمر الله إلى حيث كان‏.‏ وقال ابن عباس أيضاً وقتادة والحسن والأخفش‏:‏ النجوم تنشط من أفق إلى أفق، تذهب وتسير بسرعة‏.‏ وقال مجاهد أيضاً‏:‏ المنايا‏.‏ وقال عطاء‏:‏ البقر الوحشية وما جرى مجراها من الحيوان الذي ينشط من قطر إلى قطر‏.‏ وقال ابن عباس أيضاً‏:‏ النفوس المؤمنة تنشط عند الموت للخروج‏.‏ وقيل‏:‏ التي تنشط للإزهاق‏.‏

‏{‏والسابحات‏}‏، قال عليّ ومجاهد‏:‏ الملائكة تتصرّف في الآفاق بأمر الله، تجيء وتذهب‏.‏ وقال قتادة والحسن‏:‏ النجوم تسبح في الأفلاك‏.‏ وقال أبو روق‏:‏ الشمس والقمر والليل والنهار‏.‏ وقال عطاء وجماعة‏:‏ الخيل، يقال للفرس سابح‏.‏ وقيل‏:‏ السحاب لأنها كالعائمة في الهواء‏.‏ وقيل‏:‏ الحيتان دواب البحر فما دونها وذلك من عظم المخلوقات، فيبدي أنه تعالى أمدّ في الدنيا نوعاً من الحيوان، منها أربعمائة في البر وستمائة في البحر‏.‏ وقال عطاء أيضاً‏:‏ السفن‏.‏ وقال مجاهد أيضاً‏:‏ المنايا تسبح في نفوس الحيوان‏.‏

‏{‏فالسابقات‏}‏، قال مجاهد‏:‏ الملائكة سبقت بني آدم بالخير والعمل الصالح، وقاله أبو روق‏.‏ وقال ابن مسعود‏:‏ أنفس المؤمنين تسبق إلى الملائكة الذين يقبضونها، وقد عاينت السرور شوقاً إلى لقاء الله تعالى‏.‏ وقال عطاء‏:‏ الخيل، وقيل‏:‏ النجوم، وقيل‏:‏ المنايا تسبق الآمال‏.‏ ‏{‏فالمدبرات‏}‏، قال ابن عطية لا أحفظ خلافاً أنها الملائكة، ومعناه أنها التي تدبر الأمور التي سخرها الله تعالى وصرفها فيها، كالرياح والسحاب وسائر المخلوقات‏.‏ انتهى‏.‏ وقيل‏:‏ الملائكة الموكلون بالأحوال‏:‏ جبريل للوحي، وميكائيل للمطر، وإسرافيل للنفخ في الصور، وعزرائيل لقبض الأرواح‏.‏ وقيل‏:‏ تدبيرها‏:‏ نزولها بالحلال والحرام‏.‏ وقال معاذ‏:‏ هي الكواكب السبعة، وإضافة التدبير إليها مجاز، أي يظهر تقلب الأحوال عند قرانها وتربيعها وتسديسها وغير ذلك‏.‏

ولفق الزمخشري من هذه الأقوال أقوالاً اختارها وأدارها أولاً على ثلاثة‏:‏ الملائكة أو الخيل أو النجوم‏.‏

ورتب جميع الأوصاف على كل واحد من الثلاثة، فقال‏:‏ أقسم سحابة بطوائف الملائكة التي هي تنزع الأرواح من الأجساد، وبالطوائف التي تنشطها، أي تخرجها من نشط الدلو من البئر إذا أخرجها، وبالطوائف التي تسبح في مضيها، أي تسرع فتسبق إلى ما أمروا به فتدبر أمراً من أمور العباد مما يصلحهم في دينهم أو دنياهم؛ كما رسم لهم غرقاً، أي إغراقاً في النزع، أي تنزعها من أقاصي الأجساد من أناملها وأظافرها‏.‏ أو أقسم بخيل الغزاة التي تنزع في أعنتها إلى آخر ما نقلناه؛ ثم قال‏:‏ من قولك‏:‏ ثور ناشط، إذا خرج من بلد إلى بلد، والتي تسبح في جريتها فتسبق إلى الغاية فتدبر أمر الغلبة والظفر، وإسناد التدبير إليها لأنها من أسبابه‏.‏ أو أقسم بالنجوم التي تنزع من المشرق إلى المغرب، وإغراقها في النزع أن تقطع الفلك كله حتى تنحط من أقصى المغرب، والتي تخرج من برج إلى برج، والتي تسبح في الفلك من السيارة فتسبق فتدبر أمراً في علم الحساب‏.‏

وقيل‏:‏ النازعات‏:‏ أيدي الغزاة أو أنفسهم تنزع القسي بإغراق السهام والتي تنشط الإرهاق‏.‏ انتهى‏.‏ والذي يظهر أن ما عطف بالفاء هو من وصف المقسم به قبل الفاء، وأن المعطوف بالواو وهو مغاير لما قبله، كما قرّرناه في المرسلات، على أنه يحتمل أن يكون المعطوف بالواو ومن عطف الصفات بعضها على بعض‏.‏ والمختار في جواب القسم أن يكون محذوفاً وتقديره‏:‏ لتبعثن لدلالة ما بعده عليه، قاله الفراء‏.‏ وقال محمد بن عليّ الحكيم الترمذي‏:‏ الجواب‏:‏ ‏{‏إن في ذلك لعبرة لمن يخشى‏}‏، والمعنى فيما اقتصصت من ذكر يوم القيامة وذكر موسى عليه السلام وفرعون‏.‏ قال ابن الانباري‏:‏ وهذا قبيح لأن الكلام قد طال‏.‏ وقيل‏:‏ اللام التي تلقى بها القسم محذوفة من قوله‏:‏ ‏{‏يوم ترجف الراجفة‏}‏، أي ليوم كذا، ‏{‏تتبعها الرادفة‏}‏، ولم تدخل نون التوكيد لأنه قد فصل بين اللام المقدرة والفعل؛ وقول أبي حاتم هو علي التقديم والتأخير، كأنه قال‏:‏ ‏{‏فإذا هم بالساهرة‏}‏‏.‏ ‏{‏والنازعات‏}‏، قال ابن الأنباري‏:‏ خطأ لأن الفاء لا يفتتح بها الكلام‏.‏ وقيل‏:‏ التقدير‏:‏ ‏{‏يوم ترجف الراجفة تتبعها الرادفة‏}‏، ‏{‏والنازعات‏}‏ على التقديم والتأخير أيضاً وليس بشيء‏.‏ وقيل‏:‏ الجواب‏:‏ ‏{‏هل أتاك حديث موسى‏}‏، لأنه في تقدير قد أتاك وليس بشيء، وهذا كله إعراب من لم يحكم العربية، وحذف الجواب هو الوجه، ويقرب القول بحذف اللام من ‏{‏يوم ترجف‏}‏‏.‏ قال ابن عباس والحسن وقتادة ومجاهد‏:‏ هما الصيحتان، أي النفختان، الأولى تميت كل شيء، وفي الثانية تحيي‏.‏ وقال مجاهد أيضاً‏:‏ الواجفة‏:‏ الزلزلة، والرادفة‏:‏ الصيحة‏.‏ وقال ابن زيد‏:‏ الواجفة‏:‏ الأرض، والرادفة‏:‏ الساعة، والعامل في يوم اذكر مضمرة، أو لتبعثن المحذوف؛ واليوم متسع تقع فيه النفختان، وهم يبعثون في بعض ذلك اليوم المتسع، وتتبعها حال‏.‏

قيل‏:‏ أو مستأنف‏.‏ واجفة‏:‏ مضطربة، ووجيف القلب يكون من الفزع ويكون من الإشفاق، ومنه قول قيس بن الخطيم‏:‏

إن بني حجباً وأسرتهم *** أكبادنا من ورائهم تجف

‏{‏قلوب‏}‏‏:‏ مبتدأ، ‏{‏واجفة‏}‏‏:‏ صفة تعمل في ‏{‏يومئذ‏}‏، ‏{‏أبصارها‏}‏‏:‏ أي أبصار أصحاب القلوب، ‏{‏خاشعة‏}‏‏:‏ مبتدأ وخبر في موضع خبر ‏{‏قلوب‏}‏‏.‏ وقال ابن عطية‏:‏ رفع قلوب بالابتداء، وجاز ذلك، وهي نكرة لأنها قد تخصصت بقوله‏:‏ ‏{‏يومئذ‏}‏‏.‏ انتهى‏.‏ ولا تتخصص الأجرام بظروف الزمان، وإنما تخصصت بقوله‏:‏ ‏{‏واجفة‏}‏‏.‏ ‏{‏يقولون‏}‏‏:‏ حكاية حالهم في الدنيا، والمعنى‏:‏ هم الذين يقولون‏.‏ و‏{‏الحافرة‏}‏، قال مجاهد‏:‏ فاعلة بمعنى مفعولة‏.‏ وقيل‏:‏ على النسب، أي ذات حفر، والمراد القبور، أي لمردودون أحياء في قبورنا‏.‏ وقال زيد بن أسلم‏:‏ الحافرة‏:‏ النار‏.‏ وقيل‏:‏ جمع حافرة بمعنى القدم، أي أحياء نمشي على أقدامنا ونطأ بها الأرض‏.‏ وقال ابن عباس‏:‏ الحياة الثانية هي أول الأمر، وتقول التجار‏:‏ النقد في الحافرة، أي في ابتداء السوم‏.‏ وقال الشاعر‏:‏

آليت لا أنساكم فاعلموا *** حتى ترد الناس في الحافرة

وقرأ أبو حيوة وأبو بحرية وابن أبي عبلة‏:‏ في الحفرة بغير ألف؛ والجمهور‏:‏ بالألف‏.‏ وقيل‏:‏ هما بمعنى واحد‏.‏ وقيل‏:‏ هي الأرض المنبتة المتغيرة بأجساد موتاها، من قولهم‏:‏ حفرت أسنانه إذا تآكلت وتغيرت‏.‏ وقرأ عمر وأبي وعبد الله وابن الزبير وابن عباس ومسروق ومجاهد والأخوان وأبو بكر‏:‏ ناخرة بألف؛ وأبو رجاء والحسن والأعرج وأبو جعفر وشيبة والسلمي وابن جبير والنخعي وقتادة وابن وثاب وأيوب وأهل مكة وشبل وباقي السبعة‏:‏ بغير ألف‏.‏ ‏{‏قالوا تلك إذاً‏}‏‏:‏ أي الردة إلى الحافرة إن رددنا، ‏{‏كرة خاسرة‏}‏‏:‏ أي قالوا ذلك لتكذيبهم بالغيب، أي لو كان هذا حقاً، لكانت ردتنا خاسرة، إذ هي إلى النار‏.‏ وقال الحسن‏:‏ خاسرة‏:‏ كاذبة، أي ليست بكافية، وهذا القول منهم استهزاء‏.‏ وروي أن بعض صناديد قريش قال ذلك‏.‏ ‏{‏فإنما هي زجرة واحدة‏}‏ لما تقدم‏.‏ ‏{‏يقولون أئنا لمردودون‏}‏‏:‏ تضمن قولهم استبعاد النشأة الثانية واستضعاف أمرها، فجاء قوله‏:‏ ‏{‏فإنما‏}‏ مراعاة لما دل عليه استبعادهم، فكأنه قيل‏:‏ ليس بصعب ما تقولون، فإنما هي نفخة واحدة، فإذا هم منشورون أحياء على وجه الأرض‏.‏ قال ابن عباس‏:‏ الساهرة أرض من فضة يخلقها الله تعالى‏.‏ وقال وهب بن منبه‏:‏ جبل بالشام يمده الله تعالى يوم القيامة لحشر الناس‏.‏ وقال أبو العالية وسفيان‏:‏ أرض قريبة من بيت المقدس‏.‏ وقال ابن عباس‏:‏ أرض مكة‏.‏ وقال قتادة‏:‏ جهنم، لأنه لا نوم لمن فيها‏.‏ رأى أن الضمائر قبلها إنما هي للكفار ففسرها بجهنم‏.‏ وقيل‏:‏ الأرض السابعة يأتي بها الله يحاسب عليها الخلائق‏.‏

ولما أنكروا البعث وتمردوا، شق ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقص تعالى عليه قصة موسى عليه السلام، وتمرد فرعون على الله عز وجل حتى ادعى الربوبية، وما آل إليه حال موسى من النجاة، وحال فرعون من الهلاك، فكان ذلك مسلاة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتبشيراً بهلاك من يكذبه، ونجاته هو من أذاهم‏.‏

فقال تعالى‏:‏ ‏{‏هل أتاك‏}‏، توقيفاً له على جمع النفس لما يلقيه إليه، وتقدم الكلام في الوادي المقدس، والخلاف في القراآت في ‏{‏طوى‏}‏‏.‏ ‏{‏اذهب إلى فرعون‏}‏‏:‏ تفسير للنداء، أو على إضمار القول، ‏{‏فقل هل لك إلى أن تزكى‏}‏‏:‏ لطف في الاستدعاء لأن كل عاقل يجيب مثل هذا السؤال بنعم، وتزكى‏:‏ تتحلى بالفضائل وتتطهر من الرذائل، والزكاة هنا يندرج فيها الإسلام وتوحيد الله تعالى‏.‏ وقرأ الحرميان وأبو عمرو‏:‏ بخلاف تزكى وتصدى، بشد الزاي والصاد؛ وباقي السبعة‏:‏ بخفها‏.‏ وتقول العرب‏:‏ هل لك في كذا، أو هل إلى كذا‏؟‏ فيحذفون القيد الذي تتعلق به إلى، أي هل لك رغبة أو حاجة إلى كذا‏؟‏ أو سبيل إلى كذا‏؟‏ قال الشاعر‏:‏

فهل لكم فيها إليّ فإنني *** بصير بما أعيا النطاسي خديما

‏{‏وأهديك إلى ربك فتخشى‏}‏‏:‏ هذا تفسير للتزكية، وهي الهداية إلى توحيد الله تعالى ومعرفته، ‏{‏فتخشى‏}‏‏:‏ أي تخافه، لأن الخشية لا تكون إلا بالمعرفة، ‏{‏إنما يخشى الله من عباده العلماء‏}‏ وذكر الخشية لأنها ملاك الأمر، وفي الكلام حذف، أي فذهب وقال له ما أمره به ربه، وأتبع ذلك بالمعجزة الدالة على صدقه‏.‏ ‏{‏فأراه الآية الكبرى‏}‏‏:‏ وهي العصا واليد، جعلهما واحدة، لأن اليد كأنها من جملة العصا لكونها تابعة لها، أو العصا وحدها لأنها كانت المقدمة، والأصل واليد تبع لها، لأنه كان يتقيها بيده‏.‏ وقيل له ‏{‏أدخل يدك في جيبك‏}‏ ‏{‏فكذب‏}‏‏:‏ أي فرعون موسى عليه السلام وما أتى به من المعجز، وجعل ذلك من باب السحر، ‏{‏وعصى‏}‏ الله تعالى بعدما علم صحة ما أتى به موسى، وإنما أوهم أنه سحر‏.‏ ‏{‏ثم أدبر يسعى‏}‏، قيل‏:‏ أدبر حقيقة، أي قام من مكانه فاراً بنفسه‏.‏ وقال الجمهور‏:‏ هو كناية عن إعراضه عن الإيمان‏.‏ ‏{‏يسعى‏}‏‏:‏ يجتهد في مكايدة موسى عليه السلام‏.‏ ‏{‏فحشر‏}‏‏:‏ أي جمع السحرة وأرباب دولته، ‏{‏فنادى‏}‏‏:‏ أي قام فيهم خطيباً، أو فنادى في المقام الذي اجتمعوا فيه معه‏.‏ ‏{‏فقال أنا ربكم الأعلى‏}‏، قال ابن عطية‏:‏ قول فرعون ذلك نهاية في المخرقة، ونحوها باق في ملوك مصر وأتباعهم‏.‏ انتهى‏.‏ وإنما قال ذلك لأن ملك مصر في زمانه كان اسماعيلياً، وهو مذهب يعتقدون فيه إلهية ملوكهم، وكأن أول من ملكها منهم المعز بن المنصور بن القائم بن المهدي عبيد الله، ولاهم العاضد وطهر الله مصر من هذا المذهب الملعون بظهورالملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب بن سادي، رحمه الله تعالى وجزاه عن الإسلام خيراً‏.‏

‏{‏فأخذه الله نكال الآخرة والأولى‏}‏، قال ابن عباس‏:‏ الآخرة قوله‏:‏ ‏{‏ما علمت لكم من إله غيري‏}‏

والأولى قوله‏:‏ ‏{‏أنا ربكم الأعلى‏}‏‏.‏ وقيل العكس، وكان بين قولتيه أربعون سنة‏.‏ وقال الحسن وابن زيد‏:‏ نكال الآخرة بالحرق، والأولى يعني الدنيا بالغرق‏.‏ وقال مجاهد‏:‏ عذاب آخرة حياته وأولادها‏.‏ وقال أبو زرين‏:‏ الأولى كفره وعصيانه، والآخرة قوله‏:‏ ‏{‏أنا ربكم الأعلى‏}‏‏.‏ وقال مجاهد عبارة عن أول معاصيه، وآخرها‏:‏ أي نكل بالجميع، وانتصب نكال على المصدر والعامل فيه ‏{‏فأخذه‏}‏ لأنه في معناه وعلى رأي المبرد‏:‏ بإضمار فعل من لفظه، أي نكل نكال، والنكال بمعنى التنكيل، كالسلام بمعنى التسليم‏.‏ وقال الزمخشري‏:‏ ‏{‏نكال الآخرة‏}‏ هو مصدر مؤكد، ك ‏{‏وعد الله‏}‏ و‏{‏صبغة الله‏}‏ كأنه قيل‏:‏ نكل الله به نكال الآخرة والأولى‏.‏ انتهى‏.‏ والمصدر المؤكد لمضمون الجملة السابقة يقدر له عامل من معنى الجملة‏.‏ ‏{‏إن في ذلك‏}‏‏:‏ فيما جرى لفرعون وأخذه تلك الأخذ، ‏{‏لعبرة‏}‏‏:‏ لعظة، ‏{‏لمن يخشى‏}‏‏:‏ أي لمن يخاف عقوبة الله يوم القيامة وفي الدنيا‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏27- 46‏]‏

‏{‏أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا ‏(‏27‏)‏ رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا ‏(‏28‏)‏ وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا ‏(‏29‏)‏ وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا ‏(‏30‏)‏ أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا ‏(‏31‏)‏ وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا ‏(‏32‏)‏ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ ‏(‏33‏)‏ فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى ‏(‏34‏)‏ يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى ‏(‏35‏)‏ وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى ‏(‏36‏)‏ فَأَمَّا مَنْ طَغَى ‏(‏37‏)‏ وَآَثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ‏(‏38‏)‏ فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى ‏(‏39‏)‏ وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى ‏(‏40‏)‏ فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى ‏(‏41‏)‏ يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا ‏(‏42‏)‏ فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا ‏(‏43‏)‏ إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا ‏(‏44‏)‏ إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا ‏(‏45‏)‏ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا ‏(‏46‏)‏‏}‏

الخطاب الظاهر أنه عام، والمقصود الكفار منكر والبعث، وقفهم على قدرته تعالى‏.‏ ‏{‏أشد خلقاً‏}‏‏:‏ أي أصعب إنشاء، ‏{‏أم السماء‏}‏، فالمسؤول عن هذا يجيب ولا بد السماء، لما يرى من ديمومة بقائها وعدم تأثيرها‏.‏ ثم بين تعالى كيفية خلقها‏.‏ ‏{‏رفع سمكها‏}‏‏:‏ أي جعل مقدارها بها في العلوّ مديداً رفيعاً مقدار خمسمائة عام، والسمك‏:‏ الارتفاع الذي بين سطح السماء التي تليها وسطحها الأعلى الذي يلى ما فوقها، ‏{‏فسواها‏}‏‏:‏ أي جعلها ملساء مستوية، ليس فيها مرتفع ولا منخفض، أو تممها وأتقن إنشاءها بحيث أنها محكمة الصنعة‏.‏ ‏{‏وأغطش‏}‏‏:‏ أي أظلم، ‏{‏ليلها‏}‏‏.‏ ‏{‏وأخرج‏}‏‏:‏ أبرز ضوء شمسها، كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏والشمس وضحاها‏}‏ وقولهم‏:‏ وقت الضحى‏:‏ الوقت الذي تشرق فيه الشمس‏.‏ وأضيف الليل والضحى إلى السماء، لأن الليل ظلها، والضحى هو نور سراجها‏.‏

‏{‏والأرض بعد ذلك‏}‏‏:‏ أي بعد خلق السماء وما فعل فيها، ‏{‏دحاها‏}‏‏:‏ أي بسطها، فخلق الأرض ثم السماء ثم دحا الأرض‏.‏ وقرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏والأرض‏}‏، ‏{‏والجبال‏}‏ بنصبهما؛ والحسن وأبو حيوة وعمرو بن عبيد وابن أبي عبلة وأبو السمال‏:‏ برفعهما؛ وعيسى‏:‏ برفع الأرض‏.‏ وأضيف الماء والمرعى إلى الأرض لأنهما يظهران منها‏.‏ والجمهور‏:‏ ‏{‏متاعاً‏}‏ بالنصب، أي فعل ذلك تمتيعاً لكم؛ وابن أبي عبلة‏:‏ بالرفع، أي ذلك متاع‏.‏ وقال الزمخشري‏:‏ فإن قلت‏:‏ فهلا أدخل حرف العطف على أخرج‏؟‏ قلت‏:‏ فيه وجهان، أحدهما‏:‏ أن يكون معنى ‏{‏دحاها‏}‏‏:‏ بسطها ومهدها للسكنى، ثم فسر التمهيد بما لا بد منه في تأتي سكناها من تسوية أمر المأكل والمشرب وإمكان القرار عليها‏.‏ والثاني‏:‏ أن يكون أخرج حالاً بإضمار قد، كقوله‏:‏ ‏{‏أو جاءوكم حصرت صدورهم‏}‏ انتهى‏.‏ وإضمار قد قول للبصريين ومذهب الكوفيين‏.‏ والأخفش‏:‏ أن الماضي يقع حالاً، ولا يحتاج إلى إضمار قد، وهو الصحيح‏.‏ ففي كلام العرب وقع ذلك كثيراً‏.‏ انتهى‏.‏ ‏{‏ومرعاها‏}‏‏:‏ مفعل من الرعي، فيكون مكاناً وزماناً ومصدراً، وهو هنا مصدر يراد به اسم المفعول، كأنه قيل‏:‏ ومرعيها‏:‏ أي النبات الذي يرعى‏.‏ وقدم الماء على المرعى لأنه سبب في وجود المرعى، وشمل ‏{‏ومرعاها‏}‏ ما يتقوت به الآدمي والحيوان غيره، فهو في حق الآدمي استعارة، ولهذا قيل‏:‏ دل الله سبحانه وتعالى بذكر الماء والمرعى على عامة ما يرتفق به ويتمتع مما يخرج من الأرض حتى الملح، لأنه من الماء‏.‏

‏{‏فإذا جاءت الطامة‏}‏، قال ابن عباس والضحاك‏:‏ القيامة‏.‏ وقال ابن عباس أيضاً والحسن‏:‏ النفخة الثانية‏.‏ وقال القاسم‏:‏ وقت سوق أهل الجنة إليها، وأهل النار إليها، وهو معنى قول مجاهد‏.‏ ‏{‏يوم يتذكر الإنسان ما سعى‏}‏‏:‏ أي عمله الذي كان سعى فيه في الدنيا‏.‏ وقرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏وبُرِّزت‏}‏ مبني للمفعول مشدد الراء، ‏{‏لمن يرى‏}‏ بياء الغيبة‏:‏ أي لكل أحد، فيشكر المؤمن نعمة الله‏.‏ وقيل‏:‏ ‏{‏لمن يرى‏}‏ هو الكافر؛ وعائشة وزيد بن علي وعكرمة ومالك بن دينار‏:‏ مبنياً للفاعل مخففاً وبتاء، يجوز أن يكون خطاباً للرسول صلى الله عليه وسلم، أي لمن ترى من أهلها، وأن يكون إخبار عن الجحيم، فهي تاء التأنيث‏.‏

قال تعالى‏:‏ ‏{‏إذا رأتهم من مكان بعيد‏}‏ وقال أبو نهيك وأبو السمال وهارون عن أبي عمرو‏:‏ وبرزت مبنياً ومخففاً، و‏{‏يوم يتذكر‏}‏‏:‏ بدل من ‏{‏فإذا‏}‏؛ وجواب إذا، قال الزمخشري‏:‏ فإن الأمر كذلك‏.‏ وقيل‏:‏ عاينوا وعلموا‏.‏ ويحتمل أن يكون التقدير‏:‏ انقسم الراؤون قسمين، والأولى أن يكون الجواب‏:‏ فأما وما بعده، كما تقول‏:‏ إذا جاءك بنو تميم، فأما العاصي فأهنه، وأما الطائع فأكرمه‏.‏

‏{‏طغى‏}‏‏:‏ تجاوز الحد في عصيانه، ‏{‏وآثر الحياة الدنيا‏}‏ على الآخرة، وهي مبتدأ أو فصل‏.‏ والعائد على من من الخبر محذوف على رأي البصريين، أي المأوى له، وحسن حذفه وقوع المأوى فاصلة‏.‏ وأما الكوفيون فمذهبهم أن أل عوض من الضمير‏.‏ وقال الزمخشري‏:‏ والمعنى فإن الجحيم مأواه، كما تقول للرجل‏:‏ غض الطرف، تريد طرفك؛ وليس الألف واللام بدلاً من الإضافة، ولكن لما علم أن الطاغي هو صاحب المأوى، وأنه لا يغض الرجل طرف غيره، تركت الإضافة‏.‏ ودخول حرف التعريف في المأوى، والطرف للتحريف لأنهما معرفان‏.‏ انتهى‏.‏ وهو كلام لا يتحصل منه الرابط العائد على المبتدأ، إذ قد نفى مذهب الكوفيين، ولم يقدر ضميراً محذوفاً، كما قدره البصريون، فرام حصول الربط بلا رابط‏.‏

‏{‏وأما من خاف مقام ربه‏}‏‏:‏ أي مقاماً بين يدي ربه يوم القيامة للجزاء؛ وفي إضافة المقام إلى الرب تفخيم للمقام وتهويل عظيم واقع من النفوس موقعاً عظيماً‏.‏ قال ابن عباس‏:‏ خافه عندما هم بالمعصية فانتهى عنها‏.‏ ‏{‏ونهى النفس عن الهوى‏}‏‏:‏ أي عن شهوات النفس، وأكثر استعمال الهوى فيما ليس بمحمود‏.‏ قال سهل‏:‏ لا يسلم من الهوى إلا الأنبياء وبعض الصديقين‏.‏ وقال بعض الحكماء‏:‏ إذا أردت الصواب فانظر هواك فخالفه‏.‏ وقال عمران الميرتليّ‏:‏

فخالف هواها واعصها إن من يطع *** هوى نفسه تنزع به كل منزع

ومن يطع النفس اللجوجة ترده *** وترم به في مصرع أي مصرع

وقال الفضيل‏:‏ أفضل الأعمال خلاف الهوى، وهذا التفضيل هو عام في أهل الجنة وأهل النار‏.‏ وعن ابن عباس‏:‏ نزل ذلك في أبي جهل ومصعب بن عمير العبدري، رضي الله تعالى عنه‏.‏ وعنه أيضاً‏:‏ ‏{‏فأما من طغى‏}‏، فهو أخ لمصعب بن عمير، أسر فلم يشدوا وثاقه، وأكرموه وبيتوه عندهم؛ فلما أصبحوا حدثوا مصعباً، فقال‏:‏ ما هو لي بأخ، شدوا أسيركم، فإن أمه أكثر أهل البطحاء حلياً ومالاً فأوثقوه‏.‏ ‏{‏وأما من خاف مقام ربه‏}‏ فمصعب بن عمير، وقى رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه يوم أُحد حين تفرّق الناس عنه حتى نفذت المشاقص في جوفه، وهي السهام‏.‏

فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم متشحطاً في دمه قال‏:‏ «عند الله أحتسبك»، وقال لأصحابه‏:‏ «لقد رأيته وعليه بردان ما تعرف قيمتهما، وإن شراك نعله من ذهب» قيل‏:‏ واسم أخيه عامر‏.‏ وفي الكشاف، وقيل‏:‏ الآيتان نزلتا في أبي عزير بن عمير ومصعب بن عمير، وقد قتل مصعب أخاه أبا عزير يوم أُحد، ووقى رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه حتى نفذت المشاقص في جوفه‏.‏ انتهى‏.‏

‏{‏يسألونك‏}‏‏:‏ أي قريش، وكانوا يلحون في البحث عن وقت الساعة، إذ كان يتوعدهم بها ويكثر من ذلك، فنزلت هذه الآية‏.‏ ‏{‏أيان مرساها‏}‏‏:‏ متى إقامتها‏؟‏ أي متى يقيهما الله ويثبتها ويكونها‏؟‏ وقيل‏:‏ أيان منتهاها ومستقرها‏؟‏ كما أن مرسى السفينة ومستقرها حيث تنتهي إليه‏.‏ ‏{‏فيم أنت من ذكراها‏}‏، قالت عائشة رضي الله تعالى عنها‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل عن الساعة كثيراً، فلما نزلت هذه الآية‏.‏ انتهى‏.‏ والمعنى‏:‏ في أي شيء أنت من ذكر تحديدها ووقتها‏؟‏ أي لست من ذلك في شيء، ‏{‏إنما أنت منذر‏}‏‏.‏ ‏{‏إلى ربك منتهاها‏}‏‏:‏ أي انتهاء علم وقتها، لم يؤت علم ذلك أحداً من خلقه‏.‏ وقيل‏:‏ ‏{‏فيم‏}‏ إنكار لسؤالهم، أي فيم هذا السؤال‏؟‏ ثم قال‏:‏ ‏{‏أنت من ذكراها‏}‏، وعلامة من علاماتها، فكفاهم بذلك دليلاً على دنوها ومشارفتها ووجوب الاستعداد لها، ولا معنى لسؤالهم عنها‏.‏

‏{‏إنما أنت منذر من يخشاها‏}‏‏:‏ أي لم تبعث لتعلمهم بوقت الساعة الذي لا فائدة لهم في علمه، وإنما بعثت لتنذر من أهوالها من يكون إنذارك لطفاً به في الخشية منها‏.‏ انتهى‏.‏ وهذا القول حكاه الزمخشري وزمكه بكثرة ألفاظه، وهو تفكيك للكلام وخروج عن الظاهر المتبادر إلى الفهم، ولم يخله من دسيسة الاعتزال‏.‏ وقرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏منذر من‏}‏ بالإضافة‏.‏ وقرأ عمر بن عبد العزيز وأبو جعفر وشيبة وخالد الحذاء وابن هرمز وعيسى وطلحة وابن محيصن وأبو عمر في رواية وابن مقسم‏:‏ منذر بالتنوين‏.‏ وقال الزمخشري‏:‏ وقرئ منذر بالتنوين، وهو الأصل والإضافة تخفيف، كلاهما يصلح للحال والاستقبال؛ فإذا أريد الماضي، فليس إلا الإضافة، كقولك‏:‏ هو منذر زيد أمس‏.‏ انتهى‏.‏ أما قوله‏:‏ وهو الأصل، يعني التنوين، فهو قول قد قاله غيره ممن تقدم‏.‏ وقد قررنا في هذا الكتاب، وفيما كتبناه في هذا العلم أن الأصل الإضافة، لأن العمل إنما هو بالشبه، والإضافة هي أصل في الأسماء‏.‏ وأما قوله‏:‏ فإذا أريد الماضي، فليس إلا الإضافة، فهذا فيه تفصيل وخلاف مذكور في علم النحو‏.‏ وخص ‏{‏من يخشاها‏}‏ لأنه هو المنتفع بالإنذار‏.‏ ‏{‏كأنهم يوم يرونها‏}‏‏:‏ تقريب وتقرير لقصر مقامهم في الدنيا‏.‏ ‏{‏لم يلبثوا‏}‏‏:‏ لم يقيموا في الدنيا، ‏{‏إلا عشية‏}‏‏:‏ يوم أو بكرته، وأضاف الضحى إلى العشية لكونها طرفي النهار‏.‏ بدأ بذكر أحدهما، فأضاف الآخر إليه تجوّزاً واتساعاً، وحسن الإضافة كون الكلمة فاصلة، والله سبحانه وتعالى أعلم‏.‏

سورة عبس

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 42‏]‏

‏{‏عَبَسَ وَتَوَلَّى ‏(‏1‏)‏ أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى ‏(‏2‏)‏ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى ‏(‏3‏)‏ أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى ‏(‏4‏)‏ أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى ‏(‏5‏)‏ فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى ‏(‏6‏)‏ وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى ‏(‏7‏)‏ وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى ‏(‏8‏)‏ وَهُوَ يَخْشَى ‏(‏9‏)‏ فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى ‏(‏10‏)‏ كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ ‏(‏11‏)‏ فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ ‏(‏12‏)‏ فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ ‏(‏13‏)‏ مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ ‏(‏14‏)‏ بِأَيْدِي سَفَرَةٍ ‏(‏15‏)‏ كِرَامٍ بَرَرَةٍ ‏(‏16‏)‏ قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ ‏(‏17‏)‏ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ‏(‏18‏)‏ مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ ‏(‏19‏)‏ ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ ‏(‏20‏)‏ ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ ‏(‏21‏)‏ ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ ‏(‏22‏)‏ كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ ‏(‏23‏)‏ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ ‏(‏24‏)‏ أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا ‏(‏25‏)‏ ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا ‏(‏26‏)‏ فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا ‏(‏27‏)‏ وَعِنَبًا وَقَضْبًا ‏(‏28‏)‏ وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا ‏(‏29‏)‏ وَحَدَائِقَ غُلْبًا ‏(‏30‏)‏ وَفَاكِهَةً وَأَبًّا ‏(‏31‏)‏ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ ‏(‏32‏)‏ فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ ‏(‏33‏)‏ يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ ‏(‏34‏)‏ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ ‏(‏35‏)‏ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ ‏(‏36‏)‏ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ ‏(‏37‏)‏ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ ‏(‏38‏)‏ ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ ‏(‏39‏)‏ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ ‏(‏40‏)‏ تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ ‏(‏41‏)‏ أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ ‏(‏42‏)‏‏}‏

وقرأ الجمهور؛ ‏{‏عبس‏}‏ مخففاً، ‏{‏أن‏}‏ بهمزة واحدة؛ وزيد بن علي‏:‏ بشد الباء؛ وهو والحسن وأبو عمران الجوني وعيسى‏:‏ أآن بهمزة ومدة بعدها؛ وبعض القراء‏:‏ بهمزتين محققتين، والهمزة في هاتين القراءتين للاستفهام، وفيهما يقف على تولى‏.‏ والمعنى‏:‏ ألأن جاءه كاد كذا‏.‏ وجاء بضمير الغائب في ‏{‏عبس وتولى‏}‏ إجلالاً له عليه الصلاة والسلام، ولطفاً به أن يخاطبه لما في المشافهة بتاء الخطاب مما لا يخفى‏.‏ وجاء لفظ ‏{‏الأعمى‏}‏ إشعاراً بما يناسب من الرفق به والصغو لما يقصده، ولابن عطية هنا كلام أضربت عنه صفحاً‏.‏ والضمير في ‏{‏لعله‏}‏ عائد على ‏{‏الأعمى‏}‏، أي يتطهر بما يتلقن من العلم، أو ‏{‏يذكر‏}‏‏:‏ أي يتعظ، ‏{‏فتنفعه‏}‏ ذكراك، أي موعظتك‏.‏ والظاهر مصب ‏{‏يدريك‏}‏ على جملة الترجي، فالمعنى‏:‏ لا تدري ما هو مترجى منه من تزك أو تذكر‏.‏ وقيل‏:‏ المعنى وما يطلعك على أمره وعقبى حاله‏.‏

ثم ابتدأ القول‏:‏ ‏{‏لعله يزكى‏}‏‏:‏ أي تنمو بركته ويتطهر لله‏.‏ وقال الزمخشري‏:‏ وقيل‏:‏ الضمير في ‏{‏لعله‏}‏ للكافر، يعني أنك طمعت في أن يتزكى بالإسلام، أو يذكر فتقربه الذكرى إلى قبول الحق، وما يدريك أن ما طمعت فيه كائن‏.‏ انتهى‏.‏ وهذا قول ينزه عنه حمل القرآن عليه‏.‏ وقرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏أو يذكر‏}‏ بشد الذال والكاف، وأصله يتذكر فأدغم؛ والأعرج وعاصم في رواية‏:‏ أو يذكر، بسكون الذال وضم الكاف‏.‏ وقرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏فتنفعه‏}‏، برفع العين عطفاً على ‏{‏أو يذكر‏}‏؛ وعاصم في المشهور، والأعرج وأبو حيوة أبي عبلة والزعفراني‏:‏ بنصبهما‏.‏ قال ابن عطية‏:‏ في جواب التمني، لأن قوله‏:‏ ‏{‏أو يذكر‏}‏ في حكم قوله ‏{‏لعله يزكى‏}‏‏.‏ انتهى‏.‏ وهذا ليس تمنياً، إنما هو ترج وفرق بين الترجي والتمني‏.‏ وقال الزمخشري‏:‏ وبالنصب جواباً للعل، كقوله‏:‏ ‏{‏فأطلع إلى إله موسى‏}‏ انتهى‏.‏ والترجي عند البصريين لا جواب له، فينصب بإضمار أن بعد الفاء‏.‏ وأما الكوفيون فيقولون‏:‏ ينصب في جواب الترجي، وقد تقدم لنا الكلام على ذلك في قوله‏:‏ ‏{‏فأطلع إلى إله موسى‏}‏ في قراءة حفص، ووجهنا مذهب البصريين في نصب المضارع‏.‏

‏{‏أما من استغنى‏}‏‏:‏ ظاهره من كان ذا ثروة وغنى‏.‏ وقال الكلبي‏:‏ عن الله‏.‏ وقيل‏:‏ عن الإيمان بالله‏.‏ قيل‏:‏ وكونه بمعنى الثروة لا يليق بمنصب النبوة، ويدل على ذلك أنه لو كان من الثروة لكان المقابل‏:‏ وأما من جاءك فقيراً حقيراً‏.‏ وقرأ الحسن وأبو رجاء وقتادة والأعرج وعيسى والأعمش وجمهور السبعة‏:‏ ‏{‏تصدى‏}‏ بخف الصاد، وأصله يتصدى فحذف؛ والحرميان‏:‏ بشدها، أدغم التاء في الصاد؛ وأبو جعفر‏:‏ تصدى، بضم التاء وتخفيف الصاد، أي يصدك حرصك على إسلامه‏.‏ يقال‏:‏ تصدى الرجل وصديته، وهذا المستغنى هو الوليد، أو أمية، أو عتبة وشيبة، أو أمية وجميع المذكورين في سبب النزول، أقوال‏.‏

قال القرطبي‏:‏ وهذا كله غلط من المفسرين، لأنه أمية والوليد كانا بمكة، وابن أم مكتوم كان بالمدينة ما حضر معهما، وماتا كافرين، أحدهما قبل الهجرة والآخر في بدر، ولم يقصد قط أمية المدينة، ولا حضر معه مفرداً ولا مع أحد‏.‏ انتهى‏.‏ والغلط من القرطبي، كيف ينفي حضور ابن أم مكتوم معهما‏؟‏ وهو وهم منه، وكلهم من قريش، وكان ابن أم مكتوم بها‏:‏ والسورة كلها مكية بالإجماع‏.‏ وكيف يقول‏:‏ وابن أم مكتوم بالمدينة‏؟‏ كان أولاً بمكة، ثم هاجر إلى المدينة، وكانوا جميعهم بمكة حين نزول هذه الآية‏.‏ وابن أم مكتوم هو عبد الله بن سرح بن مالك بن ربيعة الفهري، من بني عامر بن لؤي، وأم مكتوم أم أبيه عاتكة، وهو ابن خال خديجة رضي الله عنها‏.‏

‏{‏وما عليك ألا يزكى‏}‏‏:‏ تحقير لأمر الكافر وحض على الإعراض عنه وترك الاهتمام به، أي‏:‏ وأي شيء عليك في كونه لا يفلح ولا يتطهر من دنس الكفر‏؟‏ ‏{‏وأما من جاءك يسعى‏}‏‏:‏ أي يمشي بسرعة في أمر دينه، ‏{‏وهو يخشى‏}‏‏:‏ أي يخاف الله، أو يخاف الكفار وأذاهم، أو يخاف العثار والسقوط لكونه أعمى، وقد جاء بلا قائد يقوده‏.‏ ‏{‏تلهى‏}‏‏:‏ تشتغل، يقال‏:‏ لها عن الشيء يلهى، إذا اشتغل عنه‏.‏ قيل‏:‏ وليس من اللهو الذي هو من ذوات الواو‏.‏ انتهى‏.‏ ويمكن أن يكون منه، لأن ما يبنى على فعل من ذوات الواو وتنقلب واوه ياء لكسرة ما قبلها، نحو‏:‏ شقي يشقى، فإن كان مصدره جاء بالياء، فيكون من مادة غير مادة اللهو‏.‏ وقرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏تلهى‏}‏؛ والبزي عن ابن كثير‏:‏ عنه وتلهى، بإدغام تاء المضارعة في تاء تفعل؛ وأبو جعفر‏:‏ بضمها مبنياً للمفعول، أي يشغلك دعاء الكافر للإسلام؛ وطلحة‏:‏ بتاءين؛ وعنه بتاء واحدة وسكون اللام‏.‏

‏{‏كلا إنها‏}‏‏:‏ أي سورة القرآن والآيات، ‏{‏تذكرة‏}‏‏:‏ عظة ينتفع بها‏.‏ ‏{‏فمن شاء ذكره‏}‏‏:‏ أي فمن شاء أن يذكر هذه الموعظة ذكره، أتى بالضمير مذكراً لأن التذكرة هي الذكر، وهي جملة معترضة تتضمن الوعد والوعيد، ‏{‏فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلاً‏}‏ واعترضت بين تذكرة وبين صفته، أي تذكرة‏:‏ كائنة‏.‏ ‏{‏في صحف‏}‏، قيل‏:‏ اللوح المحفوظ، وقيل‏:‏ صحف الأولياء المنزلة، وقيل‏:‏ صحف المسلمين، فيكون إخباراً بمغيب، إذ لم يكتب القرآن في صحف زمان، كونه عليه السلام بمكة ينزل عليه القرآن، مكرمة عند الله، ومرفوعة في السماء السابعة، قاله يحيى بن سلام، أو مرفوعة عن الشبه والتناقض، أو مرفوعة المقدار‏.‏ ‏{‏مطهرة‏}‏‏:‏ أي منزهة عن كل دنس، قاله الحسن‏.‏ وقال أيضاً‏:‏ مطهرة من أن تنزل على المشركين‏.‏ وقال الزمخشري‏:‏ منزهة عن أيدي الشياطين، لا تمسها إلا أيدي ملائكة مطهرة‏.‏ ‏{‏سفرة‏}‏‏:‏ كتبة ينسخون الكتب من اللوح المحفوظ‏.‏ انتهى‏.‏ ‏{‏بأيدي سفرة‏}‏، قال ابن عباس‏:‏ هم الملائكة لأنهم كتبة‏.‏ وقال أيضاً‏:‏ لأنهم يسفرون بين الله تعالى وأنبيائه‏.‏

وقال قتادة‏:‏ هم القراء، وواحد السفرة سافر‏.‏ وقال وهب‏:‏ هم الصحابة، لأن بعضهم يسفر إلى بعض في الخير والتعليم والعلم‏.‏

‏{‏قتل الإنسان ما أكفره‏}‏، قيل‏:‏ نزلت في عتبة بن أبي لهب، غاضب أباه فأسلم، ثم استصلحه أبوه وأعطاه مالاً وجهزه إلى الشام، فبعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كافر برب النجم إذا هوى‏.‏ وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ «اللهم ابعث عليه كلبك يأكله» فلما انتهى إلى الغاضرة ذكر الدعاء، فجعل لمن معه ألف دينار إن أصبح حياً، فجعلوه وسط الرفقة والمتاع حوله‏.‏ فأقبل الأسد إلى الرجال ووثب، فإذا هو فوقه فمزقه، فكان أبوه يندبه ويبكي عليه، وقال‏:‏ ما قال محمد شيئاً قط إلا كان، والآية، وإن نزلت في مخصوص، فالإنسان يراد به الكافر‏.‏ وقتل دعاء عليه، والقتل أعظم شدائد الدنيا‏.‏ ‏{‏ما أكفره‏}‏، الظاهر أنه تعجب من إفراط كفره، والتعجب بالنسبة للمخلوقين، إذ هو مستحيل في حق الله تعالى، أي هو ممن يقال فيه ما أكفره‏.‏ وقيل‏:‏ ما استفهام توقيف، أي‏:‏ أي شيء أكفره‏؟‏ أي جعله كافراً، بمعنى لأي شيء يسوغ له أن يكفر‏.‏

‏{‏من أي شيء خلقه‏}‏‏:‏ استفهام على معنى التقرير على حقارة ما خلق منه‏.‏ ثم بين ذلك الشيء الذي خلق منه فقال‏:‏ ‏{‏من نطفة خلقه فقدره‏}‏‏:‏ أي فهيأه لما يصلح له‏.‏ وقال ابن عباس‏:‏ أي في بطن أمه، وعنه قدر أعضاءه، وحسناً ودميماً وقصيراً وطويلاً وشقياً وسعيداً‏.‏ وقيل‏:‏ من حال إلى حال، نطفة ثم علقة، إلى أن تم خلقه‏.‏ ‏{‏ثم السبيل يسره‏}‏‏:‏ أي ثم يسر السبيل، أي سهل‏.‏ قال ابن عباس وقتادة وأبو صالح والسدي‏:‏ سبيل النظر القويم المؤدي إلى الإيمان، وتيسيره له هو هبة العقل‏.‏ وقال مجاهد والحسن وعطاء وابن عباس في رواية أبي صالح عنه‏:‏ السبيل العام اسم الجنس في هدى وضلال، أي يسر قوماً لهذا، كقوله‏:‏ ‏{‏إنا هديناه السبيل‏}‏ الآية، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وهديناه النجدين‏}‏ وعن ابن عباس‏:‏ يسره للخروج من بطن أمه‏.‏ ‏{‏ثم أماته فأقبره‏}‏‏:‏ أي جعل له قبراً صيانة لجسده أن يأكله الطير والسباع‏.‏ قبره‏:‏ ذفنه، وأقبره‏:‏ صيره بحيث يقبر وجعل له قبراً، والقابر‏:‏ الدافن بيده‏.‏ قال الأعشى‏:‏

لو أسندت ميتاً إلى قبرها *** عاش ولم ينقل إلى قابر

‏{‏ثم إذا شاء أنشره‏}‏‏:‏ أي إذا أراد إنشاره أنشره، والمعنى‏:‏ إذا بلغ الوقت الذي قد شاءه الله، وهو يوم القيامة‏.‏ وفي كتاب اللوامح شعيب بن الحبحاب‏:‏ شاء نشره، بغير همز قبل النون، وهما لغتان في الأحياء؛ وفي كتاب ابن عطية‏:‏ وقرأ شعيب بن أبي حمزة‏:‏ شاء نشره‏.‏ ‏{‏كلا‏}‏‏:‏ ردع للإنسان عن ما هو فيه من الكفر والطغيان‏.‏ ‏{‏لما يقض‏}‏‏:‏ يفي من أول مدة تكليفه إلى حين إقباره، ‏{‏ما أمره‏}‏ به الله تعالى، فالضمير في يقض للإنسان‏.‏

وقال ابن فورك‏:‏ لله تعالى، أي لم يقض الله لهذا الكافر ما أمره به من الإيمان، بل أمره بما لم يقض له‏.‏ ولما عدّد تعالى نعمه في نفس الإنسان، ذكر النعم فيما به قوام حياته، وأمره بالنظر إلى طعامه وكيفيات الأحوال التي اعتورت على طعامه حتى صار بصدد أن يطعم‏.‏ والظاهر أن الطعام هو المطعوم، وكيف ييسره الله تعالى بهذه الوسائط المذكورة من صب الماء وشق الأرض والإنبات، وهذا قول الجمهور‏.‏ وقال أبيّ وابن عباس ومجاهد والحسن وغيرهم‏:‏ ‏{‏إلى طعامه‏}‏‏:‏ أي إذا صار رجيعاً ليتأمل عاقبة الدنيا على أي شيء يتفانى أهلها‏.‏ وقرأ الجمهور‏:‏ إنا بكسر الهمزة؛ والأعرج وابن وثاب والأعمش والكوفيون ورويس‏:‏ ‏{‏أنا‏}‏ بفتح الهمزة؛ والحسين بن عليّ رضي الله تعالى عنهما‏:‏ أني بفتح الهمزة مما لا؛ فالكسر على الاستئناف في ذكر تعداد الوصول إلى الطعام، والفتح قالوا على البدل، ورده قوم، لأن الثاني ليس الأول‏.‏ قيل‏:‏ وليس كما ردوا لأن المعنى‏:‏ فلينظر الإنسان إلى إنعامنا في طعامه، فترتب البدل وصح‏.‏ انتهى‏.‏ كأنهم جعلوه بدل كل من كل، والذي يظهر أنه بدل الاشتمال‏.‏ وقراءة أبي ممالا على معنى‏:‏ فلينظر الإنسان كيف صببنا‏.‏ وأسند تعالى الصب والشق إلى نفسه إسناد الفعل إلى السبب، وصب الماء هو المطر‏.‏ والظاهر أن الشق كناية عن شق الفلاح بما جرت العادة أن يشق به‏.‏ وقيل‏:‏ شق الأرض هو بالنبات‏.‏ ‏{‏حباً‏}‏‏:‏ يشمل ما يسمى حباً من حنطة وشعير وذرة وسلت وعدس وغير ذلك‏.‏ ‏{‏وقضباً‏}‏، قال الحسن‏:‏ العلف، وأهل مكة يسمون القت القضب‏.‏ وقيل‏:‏ الفصفصة، وضعف لأنه داخل في الأب‏.‏ وقيل‏:‏ ما يقضب ليأكله ابن آدم غضاً من النبات، كالبقول والهليون‏.‏ وقال ابن عباس‏:‏ هو الرطب، لأنه يقضب من النخل، ولأنه ذكر العنب قبله‏.‏ ‏{‏غلباً‏}‏، قال ابن عباس‏:‏ غلاظاً، وعنه‏:‏ طوالاً؛ وعن قتادة وابن زيد‏:‏ كراماً؛ ‏{‏وفاكهة‏}‏‏:‏ ما يأكله الناس من ثمر الشجر، كالخوخ والتين؛ ‏{‏وأباً‏}‏‏:‏ ما تأكله البهائم من العشب‏.‏ وقال الضحاك‏:‏ التبن خاصة‏.‏ وقال الكلبي‏:‏ كل نبات سوى الفاكهة رطبها، والأب‏:‏ يابسها‏.‏ ‏{‏الصاخة‏}‏‏:‏ اسم من أسماء القيامة يصم نبأها الآذان، تقول العرب‏:‏ صختهم الصاخة ونابتهم النائبة، أي الداهية‏.‏ وقال أبو بكر بن العربي‏:‏ الصاخة هي التي تورث الصمم، وأنها لمسمعة، وهذا من بديع الفصاحة، كقوله‏:‏

أصمهم سرّهم أيام فرقتهم *** فهل سمعتم بسرّ يورث الصمما

وقول الآخر‏:‏

أصم بك الناعي وإن كان أسمعا *** ولعمر الله إن صيحة القيامة مسمعه تصم عن الدنيا وتسمع أمور الآخرة‏.‏ انتهى‏.‏ ‏{‏يوم يفر‏}‏‏:‏ بدل من إذا، وجواب إذا محذوف تقديره‏:‏ اشتغل كل إنسان بنفسه، يدل عليه‏:‏ ‏{‏لكل امرِئ منهم يومئذ شأن يغنيه‏}‏، وفراره من شدّة الهول يوم القيامة، كما جاء من قول الرسل‏:‏ «نفسي نفسي»‏.‏

وقيل‏:‏ خوف التبعات، لأن الملابسة تقتضي المطالبة‏.‏ يقول الأخ‏:‏ لم تواسني بمالك، والأبوان قصرت في برنا، والصاحبة أطعمتني الحرام وفعلت وصنعت، والبنون لم تعلمنا وترشدنا‏.‏ وقرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏يغنيه‏}‏‏:‏ أي عن النظر في شأن الآخر من الإغناء؛ والزهري وابن محيصن وابن أبي عبلة وحميد وابن السميقع‏:‏ يعنيه بفتح الياء والعين المهملة، من قولهم‏:‏ عناني الأمر‏:‏ قصدني‏.‏ ‏{‏مسفرة‏}‏‏:‏ مضيئة، من أسفر الصبح‏:‏ أضاء، و‏{‏ترهقها‏}‏‏:‏ تغشاها، ‏{‏قترة‏}‏‏:‏ أي غبار‏.‏ والأولى ما يغشاه من العبوس عند الهم، والثانية من غبار الأرض‏.‏ وقيل‏:‏ ‏{‏غبرة‏}‏‏:‏ أي من تراب الأرض، وقترة‏:‏ سواد كالدخان‏.‏ وقال زيد بن أسلم‏:‏ الغبرة‏:‏ ما انحطت إلى الأرض، والقترة‏:‏ ما ارتفعت إلى السماء‏.‏ وقرأ الجمهور‏:‏ قترة، بفتح التاء؛ وابن أبي عبلة‏:‏ بإسكانها‏.‏

سورة التكوير

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 29‏]‏

‏{‏إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ ‏(‏1‏)‏ وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ ‏(‏2‏)‏ وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ ‏(‏3‏)‏ وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ ‏(‏4‏)‏ وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ ‏(‏5‏)‏ وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ ‏(‏6‏)‏ وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ ‏(‏7‏)‏ وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ ‏(‏8‏)‏ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ ‏(‏9‏)‏ وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ ‏(‏10‏)‏ وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ ‏(‏11‏)‏ وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ ‏(‏12‏)‏ وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ ‏(‏13‏)‏ عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ ‏(‏14‏)‏ فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ ‏(‏15‏)‏ الْجَوَارِ الْكُنَّسِ ‏(‏16‏)‏ وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ ‏(‏17‏)‏ وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ ‏(‏18‏)‏ إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ‏(‏19‏)‏ ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ ‏(‏20‏)‏ مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ ‏(‏21‏)‏ وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ ‏(‏22‏)‏ وَلَقَدْ رَآَهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ ‏(‏23‏)‏ وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ ‏(‏24‏)‏ وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ ‏(‏25‏)‏ فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ ‏(‏26‏)‏ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ ‏(‏27‏)‏ لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ ‏(‏28‏)‏ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ‏(‏29‏)‏‏}‏

قال الزمخشري‏:‏ فإن قلت‏:‏ ارتفاع الشمس على الابتداء أو الفاعلية‏؟‏ قلت‏:‏ بل على الفاعلية، رافعها فعل مضمر يفسره ‏{‏كورت‏}‏، لأن إذا يطلب الفعل لما فيه من معنى الشرط‏.‏ انتهى‏.‏ ومن طريقته أنه يسمي المفعول الذي لم يسم فاعله فاعلاً، ولا مشاحة في الاصطلاح‏.‏ وليس ما ذكر من الإعراب مجمعاً على تحتمه عند النحاة، بل يجوز رفع الشمس على الابتداء عند الأخفش والكوفيين، لأنهم يجيزون أن تجيء الجملة الاسمية بعد إذا، نحو‏:‏ إذا زيد يكرمك فأكرمه‏.‏

‏{‏انكدرت‏}‏، عن ابن عباس‏:‏ تساقطت؛ وعنه أيضاً‏:‏ تغيرت فلم يبق لها ضوء لزوالها عن أماكنها، من قولهم‏:‏ ماء كدر‏:‏ أي متغير‏.‏ وتسيير الجبال‏:‏ أي عن وجه الأرض، أو سيرت في الجو تسيير السحاب، كقوله‏:‏ ‏{‏وهي تمر مر السحاب‏}‏ وهذا قبل نسفها، وذلك في أول هول يوم القيامة‏.‏ والعشار‏:‏ أنفس ما عند العرب من المال، وتعطيلها‏:‏ تركها مسيبة مهملة، أو عن الحلب لاشتغالهم بأنفسهم، أو عن أن يحمل عنها الفحول؛ وأطلق عليها عشاراً باعتبار ما سبق لها ذلك‏.‏ قال القرطبي‏:‏ وهذا على وجه المثل، لأنه في القيامة لا يكون عشراء، فالمعنى‏:‏ أنه لو كان عشراء لعطلها أهلها واشتغلوا بأنفسهم‏.‏ وقيل‏:‏ إذا قاموا من القبور شاهدوا الوحوش والدواب محشورة وعشارهم فيها التي كانت كرائم أموالهم، لم يعبؤا بها لشغلهم بأنفسهم‏.‏ وقيل‏:‏ العشار‏:‏ السحاب، وتعطيلها من الماء فلا تمطر‏.‏ والعرب تسمي السحاب بالحامل‏.‏ وقيل‏:‏ العشار‏:‏ الديار تعطل فلا تسكن‏.‏ وقيل‏:‏ العشار‏:‏ الأرض التي يعشر زرعها، تعطل فلا تزرع‏.‏

وقرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏عطلت‏}‏ بتشديد الطاء؛ ومضر عن اليزيدي‏:‏ بتخفيفها، كذا في كتاب ابن خالويه، وفي كتاب اللوامح عن ابن كثير، قال في اللوامح، وقيل‏:‏ هو وهم إنما هو عطلت بفتحتين بمعنى تعطلت، لأن التشديد فيه التعدي، يقال‏:‏ منه عطلت الشيء وأعطلته فعطل بنفسه، وعطلت المرأة فهي عاطل إذا لم يكن عليها الحلى، فلعل هذه القراءة عن ابن كثير لغة استوى فيها فعلت وأفعلت، والله أعلم‏.‏ انتهى‏.‏ وقال امرؤ القيس‏:‏

وجيد كجيد الريم ليس بفاحش *** إذا هي نصته ولا بمعطل

‏{‏حشرت‏}‏‏:‏ أي جمعت من كل ناحية‏.‏ فقال ابن عباس‏:‏ جمعت بالموت، فلا تبعث ولا يحضر في القيامة غير الثقلين‏.‏ وعنه وعن قتادة وجماعة‏:‏ يحشر كل شيء حتى الذباب‏.‏ وعنه‏:‏ تحشر الوحوش حتى يقتص من بعضها لبعض، ثم يقتص للجماء من القرناء، ثم يقال لها موتي فتموت‏.‏ وقيل‏:‏ إذا قضى بينها ردت تراباً فلا يبقى منها إلا ما فيه سرور لبني آدم وإعجاب بصورته، كالطاووس ونحوه‏.‏ وقال أبيّ‏:‏ في الدنيا في أول الهول تفر في الأرض وتجتمع إلى بني آدم تآنساً بهم‏.‏ وقرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏حشرت‏}‏ بخف الشين؛ والحسن وعمرو بن ميمون‏:‏ بشدها‏.‏

‏{‏وإذا البحار سجرت‏}‏‏:‏ تقدم أقوال العلماء في سجر البحر في الطور، والبحر المسجور، وفي كتاب لغات القراءآت، سجرت‏:‏ جمعت، بلغة خثعم‏.‏ وقال هنا ابن عطية‏:‏ ويحتمل أن يكون المعنى‏:‏ ملكت وقيد اضطرابها حتى لا تخرج على الأرض من الهول، فتكون اللفظة مأخوذة من ساجور الكلب‏.‏ وقرأ ابن كثير وأبو عمرو‏:‏ بخف الجيم؛ وباقي السبعة‏:‏ بشدها‏.‏

قال ابن عطية‏:‏ وذهب قوم إلى أن هذه الأشياء المذكورة استعارات في كل ابن آدم وأحواله عند الموت‏.‏ فالشمس نفسه، والنجوم عيناه وحواسه، وهذا قول ذاهب إلى إثبات الرموز في كتاب الله تعالى‏.‏ انتهى‏.‏ وهذا مذهب الباطنية، ومذاهب من ينتمي إلى الإسلام من غلاة الصوفية، وقد أشرنا إليهم في خطبة هذا الكتاب؛ وإنما هؤلاء زنادقة تستروا بالانتماء إلى ملة الإسلام‏.‏ وكتاب الله جاء بلسان عربي مبين، لا رمز فيه ولا لغز ولا باطن، ولا إيماء لشيء مما تنتحله الفلاسفة ولا أهل الطبائع‏.‏ ولقد ضمن تفسيره أبو عبد الله الرازي المعروف بابن خطيب الري أشياء مما قاله الحكماء عنده وأصحاب النجوم وأصحاب الهيئة، وذلك كله بمعزل عن تفسير كتاب الله عز وجل‏.‏ وكذلك ما ذكره صاحب التحرير والتحبير في آخر ما يفسره من الآيات من كلام من ينتمي إلى الصوف ويسميها الحقائق، وفيها ما لا يحل كتابته، فضلاً عن أن يعتقد، نسأل الله تعالى السلامة في ديننا وعقائدنا وما به قوام ديننا ودنيانا‏.‏

‏{‏وإذا النفوس زوجت‏}‏‏:‏ أي المؤمن مع المؤمن والكافر مع الكافر، كقوله‏:‏ ‏{‏وكنتم أزواجاً ثلاثة‏}‏ قاله عمر وابن عباس؛ أو نفوس المؤمنين بأزواجهم من الحور العين وغيرهن، قاله مقاتل بن سليمان؛ أو الأزواج الأجساد، قاله عكرمة والضحاك والشعبي‏.‏ وقرأ عاصم في رواية‏:‏ زووجت على فوعلت، والمفاعلة تكون بين اثنين‏.‏ والجمهور‏:‏ بواو مشددة‏.‏ وقال الزمخشري‏:‏ وأد يئد، مقلوب من آد يؤد إذا أثقل‏.‏ قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏ولا يؤده حفظهما‏}‏ لأنه إثقال بالتراب‏.‏ انتهى‏.‏ ولا يدعي في وأد أنه مقلوب من آد، لأن كلاً منهما كامل التصرف في الماضي والأمر والمضارع والمصدر واسم الفاعل واسم المفعول، وليس فيه شيء من مسوغات ادعاء القلب‏.‏ والذي يعلم به الأصالة من القلب أن يكون أحد النظمين فيه حكم يشهد له بالأصالة والآخر ليس كذلك، أو كونه مجرداً من حروف الزيادة والآخر فيه مزيداً وكونه أكثر تصرفاً والآخر ليس كذلك، أو أكثر استعمالاً من الآخر، وهذا على ما قرروا أحكم في علم التصريف‏.‏ فالأول كيئس وأيس، والثاني كطأمن واطمأن، والثالث كشوايع وشواع، والرابع كلعمري ورعملي‏.‏

وقرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏الموءودة‏}‏، بهمزة بين الواوين، اسم مفعول‏.‏ وقرأ البزي في رواية‏:‏ الموؤدة، بهمزة مضمومة على الواو، فاحتمل أن يكون الأصل الموؤدة كقراءة الجمهور، ثم نقل حركة الهمزة إلى الواو بعد حذف الهمزة، ثم الواو المنقول إليها الحركة‏.‏

واحتمل أن يكون اسم مفعول من آد؛ فالاصل مأوودة، فحذف إحدى الواوين على الخلاف الذي فيه المحذوف واو المد أو الواو التي هي عين، نحو‏:‏ مقوول، حيث قالوا‏:‏ مقول‏.‏ وقرئ الموودة، بضم الواو الأولى وتسهيل الهمزة، أعني التسهيل بالحذف، ونقل حركتها إلى الواو‏.‏ وقرأ الأعمش‏:‏ المودة، بكسون الواو على وزن الفعلة، وكذا وقف لحمزة بن مجاهد‏.‏ ونقل القراء أن حمزة يقف عليها كالموودة لأجل الخط لأنها رسمت كذلك، والرسم سنة متبعة‏.‏ وقرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏سئلت‏}‏ مبنياً للمفعول، ‏{‏بأي ذنب قتلت‏}‏‏:‏ كذلك وخف الياء وبتاء التأنيث فيهما، وهذا السؤال هو لتوبيخ الفاعلين للوأد، لأن سؤالها يؤول إلى سؤال الفاعلين‏.‏ وجاء قتلت بناء على أن الكلام إخبار عنها، ولو حكى ما خوطبت به حين سئلت لقيل‏:‏ قتلت‏.‏ وقرأ الحسن والأعرج‏:‏ سئلت، بكسر السين، وذلك على لغة من قال‏:‏ سأل بغير همز‏.‏ وقرأ أبو جعفر‏:‏ بشد الياء، لأن الموؤدة اسم جنس، فناسب التكثير باعتبار الأشخاص‏.‏ وقرأ ابن مسعود وعلي وابن عباس وجابر بن زيد وأبو الضحى ومجاهد‏:‏ سألت مبنياً للفاعل، قتلت بسكون اللام وضم التاء، حكاية لكلامها حين سئلت‏.‏ وعن أبيّ وابن مسعود أيضاً والربيع بن خيثم وابن يعمر‏:‏ سألت مبنيا للفاعل‏.‏ ‏{‏بأي ذنب قتلت‏}‏‏:‏ مبنياً للمفعول بتاء التأنيث فيهما إخباراً عنهما، ولو حكي كلامها لكان قتلت بضم التاء‏.‏

وكان العرب إذا ولد لأحدهم بنت واستحياها، ألبسها جبة من صوف أو شعر وتركها ترعى الإبل والغنم، وإذا أراد قتلها تركها حتى إذا صارت سداسية قال لأمها‏:‏ طيبيها ولينيها حتى أذهب بها إلى أحمائها، وقد حفر حفرة أو بئراً في الصحراء، فيذهب بها إليها ويقول لها انظري فيها؛ ثم يدفعها من خلفها ويهيل عليها التراب حتى يستوي بالأرض‏.‏ وقيل‏:‏ كانت الحامل إذا قرب وضعها حفرت حفرة فتمخضت على رأسها، فإذا ولدت بنتاً رمت بها في الحفرة، وإن ولدت ابناً حبسته‏.‏ وقد افتخر الفرزدق، وهو أبو فراس همام بن غالب بن صعصعة بن ناجية، بجده صعصعة، إذ كان منع وأد البنات فقال‏:‏

ومنا الذي منع الوائدات *** فأحيا الوئيد ولم يوئد

‏{‏وإذا الصحف نشرت‏}‏‏:‏ صحف الأعمال كانت مطوية على الأعمال، فنشرت يوم القيامة ليقرأ كل إنسان كتابه‏.‏ وقيل‏:‏ الصحف التي تتطاير بالإيمان والشمائل بالجزاء، وهي صحف غير صحف الأعمال‏.‏ وقرأ أبو رجاء وقتادة والحسن والأعرج وشيبة وأبو جعفر ونافع وابن عامر وعاصم‏:‏ نشرت بخف الشين؛ وباقي السبعة‏:‏ بشدّها‏.‏ وكشط السماء‏:‏ طيها كطي السجل‏.‏ وقيل‏:‏ أزيلت كما يكشط الجلد عن الذبيحة‏.‏ وقرأ عبد الله‏:‏ قشطت بالقاف، وهما كثيراً ما يتعاقبان، كقولهم‏:‏ عربي قح وكح، وتقدّمت قراءته قافوراً، أي كافوراً‏.‏ وقرأ نافع وابن عامر وحفص‏:‏ ‏{‏سعرت‏}‏ بشد العين؛ وباقي السبعة‏:‏ بخفها، وهي قراءة عليّ‏.‏

قال قتادة‏:‏ سعرها غضب الله تعالى وذنوب بني آدم، وجواب إذا وما عطفت عليه ‏{‏علمت نفس ما أحضرت‏}‏‏:‏ ونفس تعم في الإثبات من حيث المعنى، ما أحضرت من خير تدخل به الجنة، أو من شر تدخل به النار‏.‏ وقال ابن عطية‏:‏ ووقع الإفراد لينبه الذهن على حقارة المرء الواحد وقلة دفاعه عن نفسه‏.‏ انتهى‏.‏

وقرئت هذه السورة عند عبد الله، فلما بلغ القارئ ‏{‏علمت نفس ما أحضرت‏}‏، قال عبد الله‏:‏ «وا انقطاع ظهراه»‏.‏ ‏{‏بالخنس‏}‏، قال الجمهور‏:‏ الدراري السبعة‏:‏ الشمس والقمر، وزحل، وعطارد، والمريخ، والزهرة، والمشتري‏.‏ وقال‏:‏ على الخمسة دون الشمس والقمر، تجري الخمسة مع الشمس والقمر، وترجع حتى تخفى مع ضوء الشمس، قاله الزمخشري‏.‏ وقال ابن عطية‏:‏ تخنس في جريها التي يتعهد فيها ترى العين، وهي جوار في السماء، وهي تكنس في أبراجها، أي تستتر‏.‏ وقال علي أيضاً والحسن وقتادة‏:‏ هي النجوم كلها لأنها تخنس وتكنس بالنهار حين تختفي‏.‏ وقال الزمخشري‏:‏ أي تخنس بالنهار وتكنس بالليل، أي تطلع في أماكنها كالوحش في كنسها‏.‏ انتهى‏.‏ وقال عبد الله والنخعي وجابر بن زيد وجماعة‏:‏ المراد ‏{‏بالخنس الجوار الكنس‏}‏‏:‏ بقر الوحش، لأنها تفعل هذه الأفعال في كنائسها‏.‏ وقال ابن عباس وابن جبير والضحاك‏:‏ هي الظباء، والخنس من صفة الأنوق لأنها يلزمها الخنس، وكذا بقر الوحش‏.‏

‏{‏عسعس‏}‏ بلغة قريش، وقال الحسن‏:‏ أقبل ظلامه، ويرجحه مقابلته بقوله‏:‏ ‏{‏والصبح إذا تنفس‏}‏، فهما حالتان‏.‏ وقال المبرد‏:‏ أفسم بإقباله وإدباره وتنفسه كونه يجيء معه روح ونسيم، فكأنه نفس له على المجاز‏.‏ ‏{‏أنه‏}‏‏:‏ أي إن هذا المقسم عليه، أي إن القرآن ‏{‏لقول رسول كريم‏}‏؛ الجمهور‏:‏ على أنه جبريل عليه السلام‏.‏ وقيل‏:‏ محمد صلى الله عليه وسلم، وكريم صفة تقتضي نفي المذام كلها وإثبات صفات المدح اللائقة به‏.‏ ‏{‏ذي قوة‏}‏‏:‏ كقوله‏:‏ ‏{‏شديد القوى‏}‏ ‏{‏عند ذي‏}‏‏:‏ الكينونة اللائقة من شرف المنزلة وعظم المكانة‏.‏ وقيل‏:‏ العرش متعلق بمكين مطاع‏.‏ ثم إشارة إلى ‏{‏عند ذي العرش‏}‏‏:‏ أي إنه مطاع في ملائكة الله المقربين يصدرون عن أمره‏.‏ وقرأ أبو جعفر وأبو حيوة وأبو البرهشيم وابن مقسم‏:‏ ثم، بضم الثاء‏:‏ حرف عطف، والجمهور‏:‏ ‏{‏ثم‏}‏ بفتحها، ظرف مكان للبعيد‏.‏ وقال الزمخشري‏:‏ وقرئ ثم تعظيماً للأمانة وبياناً لأنها أفضل صفاته المعدودة‏.‏ انتهى‏.‏ وقال صاحب اللوامح‏:‏ بمعنى مطاع وأمين، وإنما صارت ثم بمعنى الواو بعد أن مواضعتها للمهلة والتراخي عطفاً، وذلك لأن جبريل عليه السلام كان بالصفتين معاً في حال واحدة، فلو ذهب ذاهب إلى الترتيب والمهلة في هذا العطف بمعنى مطاع في الملأ الأعلى، ‏{‏ثم أمين‏}‏ عند انفصاله عنهم، حال وحيه على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، لجاز أن لو ورد به أثر انتهى‏.‏ ‏{‏أمين‏}‏‏:‏ مقبول القول يصدق فيما يقوله، مؤتمن على ما يرسل به من وحي وامتثال أمر‏.‏

‏{‏وما صاحبكم بمجنون‏}‏‏:‏ نفى عنه ما كانوا ينسبونه إليه ويبهتونه به من الجنون‏.‏

‏{‏ولقد رآه‏}‏‏:‏ أي رأى الرسول صلى الله عليه وسلم جبريل عليه السلام، وهذه الرؤية بعد أمر غار حراء حين رآه على كرسي بين السماء والأرض في صورته له ستمائة جناح‏.‏ وقيل‏:‏ هي الرؤية التي رآه فيها عند سدرة المنتهى، وسمى ذلك الموضع أفقاً مجازاً‏.‏ وقد كانت له عليه السلام، رؤية ثانية بالمدينة، وليست هذه‏.‏ ووصف الأفق بالمبين لأنه روي أنه كان في المشرق من حيث تطلع الشمس، قاله قتادة وسفيان‏.‏ وأيضاً فكل أفق في غاية البيان‏.‏ وقيل‏:‏ في أفق السماء الغربي، حكاه ابن شجرة‏.‏ وقال مجاهد‏:‏ رآه نحو جياد، وهو مشرق مكة‏.‏ وقرأ عبد الله وابن عباس وزيد بن ثابت وابن عمر وابن الزبير وعائشة وعمر بن عبد العزيز وابن جبير وعروة وهشام بن جندب ومجاهد وغيرهم، ومن السبعة النحويان وابن كثير‏:‏ بظنين بالظاء، أي بمتهم، وهذا نظير الوصف السابق بأمين‏.‏ وقيل‏:‏ معناه بضعيف القوة على التبليغ من قولهم‏:‏ بئر ظنون إذا كانت قليلة الماء، وكذا هو بالظاء في مصحف عبد الله‏.‏ وقرأ عثمان وابن عباس أيضاً والحسن وأبو رجاء والأعرج وأبو جعفر وشيبة وجماعة غيرهم وباقي السبعة‏:‏ بالضاد، أي ببخيل يشح به لا يبلغ ما قيل له ويبخل، كما يفعل الكاهن حتى يعطى حلوانه‏.‏ قال الطبري‏:‏ وبالضاد خطوط المصاحف كلها‏.‏

‏{‏وما هو بقول شيطان رجيم‏}‏‏:‏ أي الذي يتراءى له إنما هو ملك لا مثل الذي يتراءى للكهان‏.‏ ‏{‏فأين تذهبون‏}‏‏:‏ استضلال لهم، حيث نسبوه مرة إلى الجنون، ومرة إلى الكهانة، ومرة إلى غير ذلك مما هو بريء منه‏.‏ وقال الزمخشري‏:‏ كما يقال لتارك الجادة اعتسافاً أو ذهاباً في بنيات الطريق‏:‏ أي تذهب‏؟‏ مثلت حالهم بحاله في تركهم الحق وعدولهم عنه إلى الباطل‏.‏ انتهى‏.‏ ‏{‏ذكر‏}‏‏:‏ تذكرة وعظة، ‏{‏لمن شاء‏}‏‏:‏ بدل من ‏{‏للعالمين‏}‏، ثم عذق مشيئة العبيد بمشيئة الله تعالى‏.‏ قال ابن عطية‏:‏ ثم خصص تعالى من شاء الاستقامة بالذكر تشريفاً وتنبيهاً وذكراً لتلبسهم بأفعال الاستقامة‏.‏ ثم بين تعالى أن تكسب العبد على العموم في استقامة وغيرها إنما يكون مع خلق الله تعالى واختراعه الإيمان في صدر المرء‏.‏ انتهى‏.‏ وقال الزمخشري‏:‏ وإنما أبدلوا منهم لأن الذين شاءوا الاستقامة بالدخول في الإسلام هم المنتفعون بالذكر، فكأنه لم يوعظ به غيرهم، وإن كانوا موعوظين جميعاً‏.‏ ‏{‏وما تشاءون‏}‏ الاستقامة يا من يشاؤها إلا بتوفيق الله تعالى ولطفه، ما تشاءونها أنتم يا من لا يشاؤها إلا بقسر الله وإلجائه‏.‏ انتهى‏.‏ ففسر كل من ابن عطية والزمخشري المشيئة على مذهبه‏.‏ وقال الحسن‏:‏ ما شاءت العرب الإسلام حتى شاء الله لها‏.‏

سورة الانفطار

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 19‏]‏

‏{‏إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ ‏(‏1‏)‏ وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ ‏(‏2‏)‏ وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ ‏(‏3‏)‏ وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ ‏(‏4‏)‏ عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ ‏(‏5‏)‏ يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ ‏(‏6‏)‏ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ ‏(‏7‏)‏ فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ ‏(‏8‏)‏ كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ ‏(‏9‏)‏ وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ ‏(‏10‏)‏ كِرَامًا كَاتِبِينَ ‏(‏11‏)‏ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ ‏(‏12‏)‏ إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ ‏(‏13‏)‏ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ ‏(‏14‏)‏ يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ ‏(‏15‏)‏ وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ ‏(‏16‏)‏ وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ ‏(‏17‏)‏ ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ ‏(‏18‏)‏ يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ ‏(‏19‏)‏‏}‏

انفطارها تقدم الكلام فيه، وانتثار الكواكب‏:‏ سقوطها من مواضعها كالنظام‏.‏ وقرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏فجرت‏}‏ بتشديد الجيم؛ ومجاهد والربيع بن خيثم والزعفراني والثوري‏:‏ بخفها، وتفجيرها من امتلائها، فتفجر من أعلاها وتفيض على ما يليها، أو من أسفلها فيذهب الله ماءها حيث أراد‏.‏ وعن مجاهد‏:‏ فجرت مبنياً للفاعل مخففاً بمعنى‏:‏ بغت لزوال البرزخ نظراً إلى قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لا يبغيان‏}‏ لأن البغي والفجر متقابلان‏.‏ ‏{‏بعثرت‏}‏، قال ابن عباس‏:‏ بحثت‏.‏ وقال السدي‏:‏ أثيرت لبعث الأموات‏.‏ وقال الفراء‏:‏ أخرج ما في بطنها من الذهب والفضة‏.‏ وقال الزمخشري‏:‏ بعثر وبحثر بمعنى واحد، وهما مركبان من البعث والبحث مع راء مضمومة إليهما، والمعنى‏:‏ بحثت وأخرج موتاها‏.‏ وقيل‏:‏ لبراءة المبعثرة، لأنها بعثرت أسرار المنافقين‏.‏ انتهى‏.‏ فظاهر قوله أنهما مركبان أن مادتهما ما ذكر، وأن الراء ضمت إلى هذه المادة، والأمر ليس كما يقتضيه كلامه، لأن الراء ليست من حروف الزيادة، بل هما مادتان مختلفتان وإن اتفقا من حيث المعنى‏.‏ وأما أن إحداهما مركبة من كذا فلا، ونظيره قولهم‏:‏ دمث ودمثر وسب وسبطر‏.‏ ‏{‏ما قدمت وأخرت‏}‏‏:‏ تقدم الكلام على شبهه في سورة القيامة‏.‏

وقرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏ما غرك‏}‏، فما استفهامية‏.‏ وقرأ ابن جبير والأعمش‏:‏ ما أغرك بهمز، فاحتمل أن يكون تعجباً، واحتمل أن تكون ما استفهامية، وأغرك بمعنى أدخلك في الغر‏.‏ وقال الزمخشري‏:‏ من قولك غر الرجل فهو غار، إذا غفل من قولك بينهم العدو وهم غارون، وأغرة غيره‏:‏ جعله غاراً‏.‏ انتهى‏.‏ وروي أنه عليه الصلاة والسلام قرأ‏:‏ ‏{‏ما غرك بربك الكريم‏}‏، فقال‏:‏ جهله وقاله عمر رضي الله تعالى عنه وقرأ أنه كان ظلوماً جهولاً، وهذا يترتب في الكافر والعاصي‏.‏ وقال قتادة‏:‏ عدوه المسلط عليه، وقيل‏:‏ ستر الله عليه‏.‏ وقيل‏:‏ كرم الله ولطفه يلقن هذا الجواب، فهذا لطف بالعاصي المؤمن‏.‏ وقيل‏:‏ عفوه عنه إن لم يعاقبه أول مرة‏.‏ وقال الفضيل رضي الله عنه‏:‏ ستره المرخى‏.‏ وقال ابن السماك‏:‏

يا كاتم الذنب أما تستحي *** والله في الخلوة رائيكا

غرك من ربك إمهاله *** وستره طول مساويكا

وقال الزمخشري‏:‏ في جواب الفضيل، وهذا على سبيل الاعتراف بالخطأ‏.‏ بالاغترار‏:‏ بالستر، وليس باعتذار كما يظنه الطماع، ويظن به قصاص الحشوية، ويروون عن أئمتهم إنما قال‏:‏ ‏{‏بربك الكريم‏}‏ دون سائر صفاته، ليلقن عبده الجواب حتى يقول‏:‏ غرني كونه الكريم‏.‏ انتهى‏.‏ وهو عادته في الطعن على أهل السنة‏.‏ ‏{‏فسواك‏}‏‏:‏ جعلك سوياً في أعضائك، ‏{‏فعدلك‏}‏‏:‏ صيرك معتدلاً متناسب الخلق من غير تفاوت‏.‏ وقرأ الحسن وعمرو بن عبيد وطلحة والأعمش وعيسى وأبو جعفر والكوفيون‏:‏ بخف الدال؛ وباقي السبعة‏:‏ بشدها‏.‏ وقراءة التخفيف إما أن تكون كقراءة التشديد، أي عدل بعض أعضائك ببعض حتى اعتدلت، وإما أن يكون معناه فصرفك‏.‏

يقال‏:‏ عدله عن الطريق‏:‏ أي عدلك عن خلقة غيرك إلى خلقة حسنة مفارقة لسائر الخلق، أو فعدلك إلى بعض الأشكال والهيئات‏.‏ والظاهر أن قوله‏:‏‏.‏

‏{‏في أي صورة‏}‏ يتعلق بربك، أي وضعك في صورة اقتضتها مشيئة من حسن وطول وذكورة، وشبه ببعض الأقارب أو مقابل ذلك‏.‏ وما زائدة، وشاء في موضع الصفة لصورة، ولم يعطف ‏{‏ركبك‏}‏ بالفاء كالذي قبله، لأنه بيان لعدلك، وكون في أي صورة متعلقاً بربك هو قول الجمهور‏.‏ وقيل‏:‏ يتعلق بمحذوف، أي ركبك حاصلاً في بعض الصور‏.‏ وقال بعض المتأولين‏:‏ إنه يتعلق بقوله‏:‏ ‏{‏فعدلك‏}‏، أي‏:‏ لك في صورة، أي صورة؛ وأي تقتضي التعجيب والتعظيم، فلم يجعلك في صورة خنزير أو حمار؛ وعلى هذا تكون ما منصوبة بشاء، كأنه قال‏:‏ أي تركيب حسن شاء ركبك، والتركيب‏:‏ التأليف وجمع شيء إلى شيء‏.‏ وأدغم خارجة عن نافع ركبك كلا، كأبي عمرو في إدغامه الكبير‏.‏ وكلا‏:‏ ردع وزجر لما دل عليه ما قبله من اغترارهم بالله تعالى، أو لما دل عليه ما بعد كلا من تكذيبهم بيوم الجزاء والدين أو شريعة الإسلام‏.‏ وقرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏بل تكذبون‏}‏ بالتاء، خطاباً للكفار؛ والحسن وأبو جعفر وشيبة وأبو بشر‏:‏ بياء الغيبة‏.‏

‏{‏وإن عليكم لحافظين‏}‏‏:‏ استئناف إخبار، أي عليهم من يحفظ أعمالهم ويضبطها‏.‏ ويظهر أنها جملة حالية، والواو واو الحال، أي تكذبون بيوم الجزاء‏.‏ والكاتبون‏:‏ الحفظة يضبطون أعمالكم لأن تجازوا عليها، وفي تعظيم الكتبة بالثناء عليهم تعظيم لأمر الجزاء‏.‏ وقرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏يصلونها‏}‏، مضارع صلى مخففاً؛ وابن مقسم‏:‏ مشدّداً مبنياً للمفعول‏.‏ ‏{‏يعلمون ما تفعلون‏}‏، فيكتبون ما تعلق به الجزاء‏.‏ قال الحسن‏:‏ يعلمون ما ظهر دون حديث النفس‏.‏ وقال سفيان‏:‏ إذا هم العبد بالحسنة أو السيئة، وجد الكاتبان ريحها‏.‏ وقال الحسين بن الفضل‏:‏ حيث قال يعلمون ولم يقل يكتبون دل على أنه لا يكتب الجميع فيخرج عنه السهو والخطأ وما لا تبعة فيه‏.‏ ‏{‏وما هم عنها بغائبين‏}‏‏:‏ أي عن الجحيم، أي لا يمكنهم الغيبة، كقوله‏:‏ ‏{‏وما هم بخارجين من النار‏}‏ وقيل‏:‏ إنهم مشاهدوها في البرزخ‏.‏ لما أخبر عن صلبهم يوم القيامة، أخبر بانتفاء غيبتهم عنها قبل الصلي، أي يرون مقاعدهم من النار‏.‏

‏{‏وما أدراك‏}‏‏:‏ تعظيم لهول ذلك اليوم‏.‏ وقرأ ابن أبي إسحاق وعيسى وابن جندب وابن كثير وأبو عمرو‏:‏ ‏{‏يوم لا تملك‏}‏ برفع الميم، أي هو يوم، وأجاز الزمخشري فيه أن يكون بدلاً مما قبله‏.‏ وقرأ محبوب عن أبي عمرو‏:‏ يوم لا تملك على التنكير منوناً مرفوعاً فكه عن الإضافة وارتفاعه على هو يوم، ولا تملك جملة في موضع الصفة، والعائد محذوف، أي لا تملك فيه‏.‏ وقرأ زيد بن علي والحسن وأبو جعفر وشيبة والأعرج وباقي السبعة‏:‏ يوم بالفتح على الظرف، فعند البصريين هي حركة إعراب، وعند الكوفيين يجوز أن تكون حركة بناء، وهو على التقديرين في موضع رفع خبر المحذوف تقديره‏:‏ الجزاء يوم لا تملك، أو في موضع نصب على الظرف، أي يدانون يوم لا تملك، أو على أنه مفعول به، أي اذكر يوم لا تملك‏.‏

ويجوز على رأي من يجيز بناءه أن يكون في موضع رفع خبر المبتدأ محذوف تقديره‏:‏ هو‏.‏ ‏{‏يوم لا تملك نفس لنفس شيئاً‏}‏‏:‏ عام كقوله‏:‏ ‏{‏فاليوم لا يملك بعضكم لبعض نفعاً ولا ضراً‏}‏ وقال مقاتل‏:‏ لنفس كافرة شيئاً من المنفعة‏.‏ ‏{‏والأمر يومئذ لله‏}‏، قال قتادة‏:‏ وكذلك هو اليوم، لكنه هناك لا يدعي أحد منازعة، ولا يمكن هو أحداً مما كان ملكه في الدنيا‏.‏

سورة المطففين

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 17‏]‏

‏{‏وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ‏(‏1‏)‏ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ ‏(‏2‏)‏ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ ‏(‏3‏)‏ أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ ‏(‏4‏)‏ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ ‏(‏5‏)‏ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ‏(‏6‏)‏ كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ ‏(‏7‏)‏ وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ ‏(‏8‏)‏ كِتَابٌ مَرْقُومٌ ‏(‏9‏)‏ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ‏(‏10‏)‏ الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ ‏(‏11‏)‏ وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ ‏(‏12‏)‏ إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آَيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ ‏(‏13‏)‏ كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ‏(‏14‏)‏ كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ‏(‏15‏)‏ ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ ‏(‏16‏)‏ ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ ‏(‏17‏)‏‏}‏

لما ذكر تعالى السعداء والأشقياء ويوم الجزاء وعظم شأن يومه، ذكر ما أعد لبعض العصاة، وذكرهم بأخس ما يقع من المعصية، وهي التطفيف الذي لا يكاد يجدي شيئاً في تثمير المال وتنميته‏.‏

‏{‏إذا اكتالوا على الناس‏}‏‏:‏ قبضوا لهم، ‏{‏وإذا كالوهم أو وزنوهم‏}‏، أقبضوهم‏.‏ وقال الفراء‏:‏ من وعلى يعتقبان هنا، اكتلت على الناس، واكتلت من الناس‏.‏ فإذا قال‏:‏ اكتلت منك، فكأنه قال‏:‏ استوفيت منك؛ وإذا قال‏:‏ اكتلت عليك؛ فكأنه قال‏:‏ أخذت ما عليك، والظاهر أن على متعلق باكتالوا كما قررنا‏.‏ وقال الزمخشري‏:‏ لما كان اكتيالهم من الناس اكتيالاً يضرهم ويتحامل فيه عليهم، أبدل على مكان من للدلالة على ذلك؛ ويجوز أن يتعلق بيستوفون، أي يستوفون على الناس خاصة، فأما أنفسهم فيستوفون لها‏.‏ انتهى‏.‏ وكال ووزن مما يتعدى بحرف الجر، فتقول‏:‏ كلت لك ووزنت لك، ويجوز حذف اللام، كقولك‏:‏ نصحت لك ونصحتك، وشكرت لك وشكرتك؛ والضمير ضمير نصب، أي كالوا لهم أو وزنوا لهم، فحذف حرف الجر ووصل الفعل بنفسه، والمفعول محذوف وهو المكيل والموزون‏.‏ وعن عيسى وحمزة‏:‏ المكيل له والموزون له محذوف، وهم ضمير مرفوع تأكيد للضمير المرفوع الذي هو الواو‏.‏ وقال الزمخشري‏:‏ ولا يصح أن يكون ضميراً مرفوعاً للمطففين، لأن الكلام يخرج به إلى نظم فاسد، وذلك أن المعنى‏:‏ إذا أخذوا من الناس استوفوا، وإذا أعطوهم أخسروا‏.‏ وإن جعلت الضمير للمطففين، انقلب إلى قولك‏:‏ إذا أخذوا من الناس استوفوا، وإذا تولوا الكيل أو الوزن هم على الخصوص أخسروا، وهو كلام متنافر، لأن الحديث واقع في الفعل لا في المباشر‏.‏ انتهى‏.‏ ولا تنافر فيه بوجه، ولا فرق بين أن يؤكد الضمير وأن لا يؤكد، والحديث واقع في الفعل‏.‏ غاية ما في هذا أن متعلق الاستيفاء، وهو على الناس، مذكور وهو في ‏{‏كالوهم أو وزنوهم‏}‏، محذوف للعلم به لأنه معلوم أنهم لا يخسرون الكيل والميزان إذا كان لأنفسهم، إنما يخسرون ذلك لغيرهم‏.‏ وقال الزمخشري‏:‏ فإن قلت‏:‏ هل لا‏.‏ قيل أو اتزنوا، كما قيل أو وزنوهم‏؟‏ قلت‏:‏ كأن المطففين كانوا لا يأخذون ما يكال ويوزن إلا بالمكاييل دون الموازين لتمكنهم بالاكتيال من الاستيفاء والسرقة، لأنهم يدعدعون ويحتالون في الملء، وإذا أعطوا كالوا أو وزنوا لتمكنهم من البخس في النوعين جميعاً‏.‏ ‏{‏يخسرون‏}‏‏:‏ ينقصون‏.‏ انتهى‏.‏ ويخسرون معدّى بالهمزة، يقال‏:‏ خسر الرجل وأخسره غيره‏.‏

‏{‏ألا يظن‏}‏‏:‏ توقيف على أمر القيامة وإنكار عليهم في فعلهم ذلك، أي ‏{‏ليوم عظيم‏}‏، وهو يوم القيامة، ويوم ظرف، العامل فيه مقدر، أي يبعثون يوم يقوم الناس‏.‏ ويجوز أن يعمل فيه مبعوثون، ويكون معنى ‏{‏ليوم‏}‏‏:‏ أي لحساب يوم‏.‏ وقال الفراء‏:‏ هو بدل من يوم عظيم، لكنه بني وقرئ ‏{‏يوم يقوم‏}‏ بالجر، وهو بدل من ‏{‏ليوم‏}‏، حكاه أبو معاد‏.‏

وقرأ زيد بن عليّ‏:‏ يوم بالرفع، أي ذلك يوم، ويظن بمعنى يوقن، أو هو على وضعه من الترجيح‏.‏ وفي هذا الإنكار والتعجب، ووصف اليوم بالعظم، وقيام الناس لله خاضعين، ووصفه برب العالمين، دليل على عظم هذا الذنب وهو التطفيف‏.‏ ‏{‏كلا‏}‏‏:‏ ردع لما كانوا عليه من التطفيف، وهذا القيام تختلف الناس فيه بحسب أحوالهم، وفي هذا القيام إلجام العرق للناس، وأحوالهم فيه مختلفة، كما ورد في الحديث‏.‏ والفجار‏:‏ الكفار، وكتابهم هو الذي فيه تحصيل أعمالهم‏.‏ ‏{‏وسجين‏}‏، قال الجمهور‏:‏ فعيل من السجن، كسكير، أو في موضع ساجن، فجاء بناء مبالغة، فسجين على هذا صفة لموضع المحذوف‏.‏ قال ابن مقبل‏:‏

ورفقة يضربون البيض ضاحية *** ضرباً تواصت به الأبطال سجينا

وقال الزمخشري‏:‏ فإن قلت‏:‏ ‏{‏ما سجين‏}‏، أصفة هو أم اسم‏؟‏ قلت‏:‏ بل هو اسم علم منقول من وصف كحاتم، وهو منصرف لأنه ليس فيه إلا سبب واحد وهو التعريف‏.‏ انتهى‏.‏ وكان قد قدم أنه كتاب جامع، وهو ديوان الشر، دوّن الله فيه أعمال الشياطين وأعمال الكفرة والفسقة من الجن والإنس، وهو‏:‏ ‏{‏كتاب مرقوم‏}‏‏:‏ مسطور بين الكتابة، أو معلم يعلم من رآه أنه لا خير فيه، والمعنى‏:‏ أن ما كتب من أعمال الفجار مثبت في ذلك الديوان‏.‏ انتهى‏.‏ واختلفوا في سجين إذا كان مكاناً اختلافاً مضطرباً حذفنا ذكره‏.‏ والظاهر أن سجيناً هو كتاب، ولذلك أبدل منه ‏{‏كتاب مرقوم‏}‏‏.‏ وقال عكرمة‏:‏ سجين عبارة عن الخسار والهوان، كما تقول‏:‏ بلغ فلان الحضيض إذا صار في غاية الجمود‏.‏ وقال بعض اللغويين‏:‏ سجين، نونه بدل من لام، وهو من السجيل، فتلخص من أقوالهم أن سجين نونه أصلية، أو بدل من لام‏.‏ وإذا كانت أصلية، فاشتقاقه من السجن‏.‏ وقيل‏:‏ هو مكان، فيكون ‏{‏كتاب مرقوم‏}‏ خبر مبتدأ محذوف، أي هو كتاب‏.‏ وعني بالضمير عوده على ‏{‏كتاب الفجار‏}‏، أو على ‏{‏سجين‏}‏ على حذف، أي هو محل ‏{‏كتاب مرقوم‏}‏، و‏{‏كتاب مرقوم‏}‏ تفسير له على جهة البدل أو خبر مبتدأ‏.‏ والضمير المقدر الذي هو عائد على ‏{‏سجين‏}‏، أو كناية عن الخسار والهوان، هل هو صفة أو علم‏؟‏ ‏{‏وما أدراك ما سجين‏}‏‏:‏ أي ليس ذلك مما كنت تعلم‏.‏ مرقوم‏:‏ أي مثبت كالرقم لا يبلى ولا يمحى‏.‏ قال قتادة‏:‏ رقم لهم‏:‏ بشر، لا يزاد فيهم أحد ولا ينقص منهم أحد‏.‏ وقال ابن عباس والضحاك‏:‏ مرقوم‏:‏ مختوم بلغة حمير، وأصل الرقم الكتابة، ومنه قول الشاعر‏:‏

سأرقم في الماء القراح إليكم *** على بعدكم إن كان للماء راقم

وتبين من الإعراب السابق أن ‏{‏كتاب مرقوم‏}‏ بدل أو خبر مبتدأ محذوف‏.‏ وكان ابن عطية قد قال‏:‏ إن سجيناً موضع ساجن على قول الجمهور، وعبارة عن الخسار على قول عكرمة، من قال‏:‏ ‏{‏كتاب مرقوم‏}‏‏.‏

من قال بالقول الأول في سجين، فكتاب مرتفع عنده على خبر إن، والظرف الذي هو ‏{‏لفي سجين‏}‏ ملغى‏.‏ ومن قال في سجين بالقول الثاني، فكتاب مرقوم على خبر ابتداء مضمر التقدير هو ‏{‏كتاب مرقوم‏}‏، ويكون هذا الكتاب مفسراً لسجين ما هو‏.‏ انتهى‏.‏ فقوله‏:‏ والظرف الذي هو ‏{‏لفي سجين‏}‏ ملغى قول لا يصح، لأن اللام التي في ‏{‏لَفِى سِجّينٍ‏}‏ داخلة على الخبر، وإذا كانت داخلة على الخبر، فلا إلغاء في الجار والمجرور، بل هو الخبر‏.‏ ولا جائز أن تكون هذه اللام دخلت في ‏{‏لفي سجين‏}‏ على فضلة هي معمولة للخبر أو لصفة الخبر، فيكون الجار والمجرور ملغى لا خبراً، لأن كتاب موصوف بمرقوم فلا يعمل، ولأن مرقوماً الذي هو صفة لكتاب لا يجوز أن تدخل اللام في معموله، ولا يجوز أن يتقدم معموله على الموصوف، فتعين بهذا أن قوله‏:‏ ‏{‏لفي سجين‏}‏ هو خبر إن‏.‏

‏{‏الذين يكذبون‏}‏‏:‏ صفة ذم، ‏{‏كل معتد‏}‏‏:‏ متجاوز الحد، ‏{‏أثيم‏}‏‏:‏ صفة مبالغة‏.‏ وقرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏إذا‏}‏؛ والحسن‏:‏ أئذا بهمزة الاستفهام‏.‏ والجمهور‏:‏ ‏{‏تتلى‏}‏ بتاء التأنيث؛ وأبو حيوة وابن مقسم‏:‏ بالياء‏.‏ قيل‏:‏ ونزلت في النضر بن الحرث‏.‏ ‏{‏بل ران‏}‏، قرئ بإدغام اللام في الراء، وبالإظهار وقف حمزة على بل وقفاً خفيفاً يسير التبيين الإظهار‏.‏ وقال أبو جعفر بن الباذش‏:‏ وأجمعوا، يعني القراء، على إدغام اللام في الراء إلا ما كان من سكت حفص على بل، ثم يقول‏:‏ ‏{‏ران‏}‏، وهذا الذي ذكره ليس كما ذكر من الإجماع‏.‏ ففي كتاب اللوامح عن قالون‏:‏ من جميع طرقه إظهار اللام عند الراء، نحو قوله‏:‏ ‏{‏بل رفعه الله إليه‏}‏ ‏{‏بل ربكم‏}‏ وفي كتاب ابن عطية، وقرأ نافع‏:‏ ‏{‏بل ران‏}‏ غير مدغم، وفيه أيضاً‏:‏ وقرأ نافع أيضاً بالإدغام والإمالة‏.‏ وقال سيبويه‏:‏ اللام مع الراء نحو‏:‏ أسفل رحمه البيان والإدغام حسنان‏.‏ وقال الزمخشري‏:‏ وقرى بإدغام اللام في الراء، وبالإظهار والإدغام أجود، وأميلت الألف وفخمت‏.‏ انتهى‏.‏ وقال سيبويه‏:‏ فإذا كانت، يعني اللام، غير لام المعرفة، نحو لام هل وبل، فإن الإدغام في بعضها أحسن، وذلك نحو‏:‏ هل رأيت‏؟‏ فإن لم تدغم فقلت‏:‏ هل رأيت‏؟‏ فهي لغة لأهل الحجاز، وهي غريبة جائزة‏.‏ انتهى‏.‏ وقال الحسن والسدي‏:‏ هو الذنب على الذنب‏.‏ وقال الحسن‏:‏ حتى يموت قلبه‏.‏ وقال السدي‏:‏ حتى يسود القلب‏.‏ وفي الحديث نحو من هذا‏.‏ فقال الكلبي‏:‏ طبع على قلوبهم‏.‏ وقال ابن سلام‏:‏ غطى‏.‏ ‏{‏ما كانوا يكسبون‏}‏، قال ابن عطية‏:‏ وعلق اللوم بهم فيما كسبوه، وإن كان ذلك بخلق منه تعالى واختراع، لأن الثواب والعقاب متعلقان بكسب العبد‏.‏ والضمير في قوله‏:‏ ‏{‏أنهم‏}‏، فمن قال بالرؤية، وهو قول أهل السنة، قال إن هؤلاء لا يرون ربهم، فهم محجوبون عنه‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏18- 36‏]‏

‏{‏كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ ‏(‏18‏)‏ وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ ‏(‏19‏)‏ كِتَابٌ مَرْقُومٌ ‏(‏20‏)‏ يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ ‏(‏21‏)‏ إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ ‏(‏22‏)‏ عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ ‏(‏23‏)‏ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ ‏(‏24‏)‏ يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ ‏(‏25‏)‏ خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ ‏(‏26‏)‏ وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ ‏(‏27‏)‏ عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ ‏(‏28‏)‏ إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا يَضْحَكُونَ ‏(‏29‏)‏ وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ ‏(‏30‏)‏ وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ ‏(‏31‏)‏ وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ ‏(‏32‏)‏ وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ ‏(‏33‏)‏ فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ ‏(‏34‏)‏ عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ ‏(‏35‏)‏ هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ‏(‏36‏)‏‏}‏

لما ذكر تعالى أمر كتاب الفجار، عقبه بذكر كتاب ضدهم ليتبين الفرق‏.‏ عليون‏:‏ جمع واحده عليّ، مشتق من العلو، وهو المبالغة، قاله يونس وابن جني‏.‏ قال أبو الفتح‏:‏ وسبيله أن يقال علية، كما قالوا للغرفة علية، فلما حذفت التاء عوضوا منها الجمع بالواو والنون‏.‏ وقيل‏:‏ هو وصف للملائكة، فلذلك جمع بالواو والنون‏.‏ وقال الفراء‏:‏ هو اسم موضوع على صفة الجمع، ولا واحد له من لفظه، كقوله‏:‏ عشرين وثلاثين؛ والعرب إذا جمعت جمعاً، ولم يكن له بناء من واحده ولا تثنية، قالوا في المذكر والمؤنث بالواو والنون‏.‏ وقال الزجاج‏:‏ أعرب هذا الاسم كإعراب الجمع، هذه قنسرون، ورأيت قنسرين‏.‏ وعليون‏:‏ الملائكة، أو المواضع العلية، أو علم لديوان الخير الذي دون فيه كل ما علمته الملائكة وصلحاء الثقلين، أو علو في علو مضاعف، أقوال ثلاثة للزمخشري‏.‏

وقال أبو مسلم‏:‏ ‏{‏كتاب الأبرار‏}‏‏:‏ كتابة أعمالهم، ‏{‏لفي عليين‏}‏‏.‏ ثم وصف عليين بأنه ‏{‏كتاب مرقوم‏}‏ فيه جميع أعمال الأبرار‏.‏ وإذا كان مكاناً فاختلفوا في تعيينه اختلافاً مضطرباً رغبنا عن ذكره‏.‏ وإعراب ‏{‏لفي عليين‏}‏، و‏{‏كتاب مرقوم‏}‏ كإعراب ‏{‏لفي سجين‏}‏، و‏{‏كتاب مرقوم‏}‏‏.‏ وقال ابن عطية‏:‏ و‏{‏كتاب مرقوم‏}‏ في هذه الآية خبر إن والظرف ملغى‏.‏ انتهى‏.‏ هذا كما قال في ‏{‏لفي سجين‏}‏، وقد رددنا عليه ذلك وهذا مثله‏.‏ والمقربون هنا، قال ابن عباس وغيره‏:‏ هم الملائكة أهل كل سماء، ‏{‏ينظرون‏}‏، قال ابن عباس وعكرمة ومجاهد‏:‏ إلى ما أعد لهم من الكرامات‏.‏ وقال مقاتل‏:‏ إلى أهل النار‏.‏ وقيل‏:‏ ينظر بعضهم إلى بعض‏.‏ وقرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏تعرِف‏}‏ بتاء الخطاب، للرسول صلى الله عليه وسلم، أو للناظر‏.‏ ‏{‏نضرة النعيم‏}‏، نصباً‏.‏ وقرأ أبو جعفر وابن أبي إسحاق وطلحة وشيبة ويعقوب والزعفراني‏:‏ تعرف مبنياً للمفعول، نضرة رفعاً؛ وزيد بن عليّ‏:‏ كذلك، إلا أنه قرأ‏:‏ يعرف بالياء، إذ تأنيث نضرة مجازي؛ والنضرة تقدّم شرحها في قوله‏:‏ ‏{‏نضرة وسروراً‏}‏ ‏{‏مختوم‏}‏، الظاهر أن الرحيق ختم عليه تهمماً وتنظفاً بالرائحة المسكية، كما فسره ما بعده‏.‏ وقيل‏:‏ تختم أوانيه من الأكواب والأباريق بمسك مكان الطينة‏.‏ وقرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏ختامه‏}‏‏:‏ أي خلطه ومزاجه، قاله عبد الله وعلقمة‏.‏ وقال ابن عباس وابن جبير والحسن‏:‏ معناه خاتمته، أي يجد الرائحة عند خاتمة الشراب، رائحة المسك‏.‏ وقال أبو عليّ‏:‏ أي إبزاره المقطع وذكاء الرائحة مع طيب الطعم‏.‏ وقيل‏:‏ يمزج بالكافور ويختم مزاجه بالمسك‏.‏ وفي الصحاح‏:‏ الختام‏:‏ الطين الذي يختم به، وكذا قال مجاهد وابن زيد‏:‏ ختم إناؤه بالمسك بدل الطين، وقال الشاعر‏:‏

كأن مشعشعاً من خمر بصرى *** نمته البحث مشدود الختام

وقرأ عليّ والنخعي والضحاك وزيد بن عليّ‏:‏ وأبو حيوة وابن أبي عبلة والكسائي‏:‏ خاتمه، بعد الخاء ألف وفتح التاء، وهذه بينة المعنى، إنه يراد بها الطبع على الرحيق‏.‏

وعن الضحاك وعيسى وأحمد بن جبير الأنطاكي عن الكسائي‏:‏ كسر التاء، أي آخره مثل قوله‏:‏ ‏{‏وخاتم النبيين‏}‏ وفيه حذف، أي خاتم رائحته المسك؛ أو خاتمه الذي يختم به ويقطع‏.‏ ‏{‏من تسنيم‏}‏، قال عبد الله وابن عباس‏:‏ هو أشرف شراب الجنة، وهو اسم مذكر لماء عين في الجنة‏.‏ وقال الزمخشري‏:‏ ‏{‏تسنيم‏}‏‏:‏ علم لعين بعينها، سميت بالتسنيم الذي هو مصدر سنمه إذا رفعه‏.‏ و‏{‏عيناً‏}‏ نصب على المدح‏.‏ وقال الزجاج‏:‏ على الحال‏.‏ انتهى‏.‏ وقال الأخفش‏:‏ يسقون عيناً، ‏{‏يشرب بها‏}‏‏:‏ أي يشربها أو منها، أو ضمن يشرب معنى يروى بها أقوال‏.‏ ‏{‏المقرّبون‏}‏، قال ابن مسعود وابن عباس والحسن وأبو صالح‏:‏ يشربها المقربون صرفاً ويمزج للأبرار‏.‏ ومذهب الجمهور‏:‏ الأبرار هم أصحاب اليمين، وأن المقرّبين هم السابقون‏.‏ وقال قوم‏:‏ الأبرار والمقرّبون في هذه الآية بمعنى واحد يقع لكل من نعم في الجنة‏.‏

وروي أن علياً وجمعاً معه من المؤمنين مروا بجمع من كفار قريش، فضحكوا منهم واستخفوا بهم عبثاً، فنزلت‏:‏ ‏{‏إن الذين أجرموا‏}‏، قبل أن يصل عليّ رضي الله تعالى عنه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، وكفار مكة هؤلاء قيل هم‏:‏ أبو جهل، والوليد بن المغيرة، والعاصي بن وائل؛ والمؤمنون‏:‏ عمار، وصهيب، وخباب، وبلال، وغيرهم من فقراء المؤمنين‏.‏ والظاهر أن الضمير في ‏{‏مروا‏}‏ عائد على ‏{‏الذين أجرموا‏}‏، إذ في ذلك تناسق الضمائر لواحد‏.‏ وقيل‏:‏ للمؤمنين، أي وإذا مرّ المؤمنون بالكافرين يتغامز الكافرون، أي يشيرون بأعينهم‏.‏ و‏{‏فكهين‏}‏‏:‏ أي متلذذين بذكرهم وبالضحك منهم‏.‏ وقرأ الجمهور‏:‏ فاكهين بالألف، أي أصحاب فاكهة ومزح وسرور باستخفافهم بأهل الإيمان؛ وأبو رجاء والحسن وعكرمة وأبو جعفر وحفص‏:‏ بغير ألف، والضمير المرفوع في ‏{‏رأوهم‏}‏ عائد على المجرمين، أي إذا رأوا المؤمنين نسبوهم إلى الضلال، وهم محقون في نسبتهم إليه‏.‏

‏{‏وما أرسلوا‏}‏ على الكفار، ‏{‏حافظين‏}‏‏.‏ وفي الإشارة إليهم بأنهم ضالون إثارة للكلام بينهم‏.‏ وكان في الآية بعض موادعة، أي إن المؤمنين لم يرسلوا حافظين على الكفار، وهذا على القول بأن هذا منسوخ بآية السيف‏.‏ وقال الزمخشري‏:‏ وإنهم لم يرسلوا عليهم حافظين، إنكاراً لصدّهم إياهم عن الشرك، ودعائهم إلى الإسلام، وجدهم في ذلك‏.‏ ولما تقدّم ذكر يوم القيامة قيل‏:‏ ‏{‏فاليوم الذين آمنوا‏}‏، واليوم منصوب بيضحكون منهم في الآخرة، وينظرون حال من الضمير في يضحكون، أي يضحكون ناظرين إليهم وإلى ما هم فيه من الهوان والعذاب بعد العزة والنعيم‏.‏ وقال كعب لأهل الجنة‏:‏ كوى ينظرون منها إلى أهل النار‏.‏ وقيل‏:‏ ستر شفاف بينهم يرون منه حالهم‏.‏ ‏{‏هل ثوب‏}‏‏:‏ أي هل جوزي‏؟‏ يقال‏:‏ ثوبه وأثابه إذا جازاه، ومنه قول الشاعر‏:‏

سأجزيك أو يجزيك عني مثوب *** وحسبك أن يثني عليك وتحمد

وهو استفهام بمعنى التقرير للمؤمنين، أي هل جوزوا بها‏؟‏ وقيل‏:‏ ‏{‏هل ثوب‏}‏ متعلق بينظرون، وينظرون معلق بالجملة في موضع نصب بعد إسقاط حرف الجر الذي هو إلى‏.‏ وقرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏هل ثوب‏}‏ بإظهار لام هل؛ والنحويان وحمزة وابن محيصن‏:‏ بإدغامها في الثاء؛ وفي قوله‏:‏ ‏{‏ما كانوا‏}‏ حذف تقديره جزاء أو عقاب‏:‏ ‏{‏ما كانوا يفعلون‏}‏‏.‏